الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية المنصف بن مراد يكتب عن مسرحية رجا فرحات وبورقيبة والنساء وبشيرة بن مراد وشيخ الاسـلام والبطـلات الـمغيّـبات

نشر في  17 أوت 2016  (10:41)

تابعت بكلّ اهتمام مسرحيّة صديقي رجا فرحات المتمحورة حول الزّعيم بورقيبة والنساء والتي عرضها على ركح مسرح الحمامات بمناسبة الذكرى الستين لصدور مجلة الأحوال الشخصية.. وهذه مناسبة للتناقش وتبادل الآراء حتى نستكشف جوانب خافية من ماضينا دون رتوش أو توظيف سياسي.
لقد زعم رجا فرحات ان رجلين حرّرا المرأة التونسية وهما الطاهر الحداد الذي كتب «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» والحبيب بورقيبة الذي قنّن حقوق المرأة وحررها من العديد من القيود.. ولئن كان من الجحود نكران مساهمة الرّجلين فكريا وسياسيا وقانونيا في تكريس حقوق المرأة،  فقد غاب على مؤلف المسرحية أن يقرّ بأنّ تحرير المرأة وتحرير تونس كانا أيضا نتيجة نضالات بطولية لا دخل للحداد فيها، علما انّ بورقيبة ليس له فضل كبير في التحرّكات النسائيّة التي طالبت بحقوق المرأة وتحرير تونس من الاستعمار.
لقد ناضلت النساء التونسيات ـ دون اذن من الرجال ـ منذ 1920 حيث طالبت منوبية الورتاني بالمساواة بين المرأة والرّجل  سنة 1924 ومثلها فعلت حبيبة المنشاري ورفضت «السفساري»، وأما مؤسسة الحركة النسائيّة الوطنية فقد كانت ـ وبلا منازع ـ بشيرة بن مراد، أم تونس ـ كما كان يسمّيها الحبيب بورقيبة ـ فقدأسّست سنة 1936 الاتحاد الاسلامي النّسائي وجنّدت النساء، كما حاول الاستعمار اغتيالها وسنها لا تتجاوز 22 سنة، ومع بشيرة كانت هناك نساء أخريات بطلات من كل مدن البلاد وقراها لم ينتظرن تعليمات من الرجال على غرار الدكتورة توحيدة بن الشيخ أوّل طبيبة تونسية، وخديجة طبال المولودة سنة 1935 والتي زجّ بها المحتل في السجن وحفصيّة العبروقي من تاجروين التي سجنت واغتصبت وآمنة براهم  التي قتلت في معركة طبلبة سنة 1952، وخديجة رابح من المطوية التي حبستها السلطات الفرنسيّة، ومبروكة دراويل المولودة سنة 1912 من قبلي والتي ناضلت وحملت السلاح وسجنت ومجيدة بوليلة من صفاقس التي عرفت بوطنيّتها وسجنت وهي حامل وبعد أن غادرت السجن توفّيت إثر تدهور صحّتها وفطومة النملة من صفاقس المرأة اللبؤة ورفيقة برناز من تونس والتي لم تكن تعرف الخوف وقضت مدة من الزمن في السجن، وشريفة فياش من المطوية التي كانت تناضل  وتنتقل بين المدن ونجيبة القروي وحميدة الزهار من تونس اللتين نذرتا قسطا من حياتهما للدفاع عن حقوق المرأة وقلاديس عدة وشريفة المسعدي ونبيهة بن ميلاد التي لم تدّخر جهدا من أجل تحرير المرأة من كل المكبّلات  وأسماء بلخوجة من تونس الملقّبة  بالمرأة الحديدية ومطيرة بن عون من قبلي التي ساهمت بجهد سخيّ في معركة التحرير  اضافة الى عدد هائل من النساء الأخريات.


.. وكانت بعض المناضلات طالبن بحقّ المرأة في الترشّح والتصويت، وفي هذا السياق نذكر بشيرة بن مراد التي صدعت بهذا الموقف سنة 1955 في معهد كارنو بالعاصمة، وبما انّ المجال لا يتّسع لذكر اسماء كل النساء العمالقة أنصح بالرّجوع الى كتابي «ما دامت في الثورة التونسية نساء» للاطلاع على مختلف النضالات النسائية.
انّ مسرحية صديقي رجا فرحات لم تنصف البطلات التونسيات اللائي ضحين بالنّفس والنّفيس من اجل هذا البلد علما انّ الحبيب بورقيبة ساهم في تأسيس شعب نسائية قبل الاستقلال وله الفضل تاريخيّا وثوريا في بعث مجلة الأحوال الشخصية في حين يحسب للطاهر الحداد تأليف كتاب للدفاع عن حقوق المرأة في زمن كان فيه المجتمع محافظا ومنغلقا على نفسه وغير قابل لمثل تلك الأفكار التقدّمية.

بورقيبة والحدّاد والشيخ محمد الصالح وابنته بشيرة بن مراد

لقد كتب كثيرون عن والدي الشيخ محمد الصالح بن مراد  وظلّوا يجترّون في عهد بورقيبة وبعده انه تهجم على الحداد بهذه الكلمات «هذا على الحساب في انتظار قراءة الكتاب» في حين انّ صاحب هذه الجملة هو الشيخ مناشو، فسامح الله من لفق هذه الأكذوبة.. لنأت الى جوهر الخلاف بين الحداد وبورقيبة من جهة والشيخ محمد الصالح وابنته بشيرة من جهة أخرى.  كان بورقيبة والحداد يعتبران انّ الدين الاسلامي رجعي في ما يتعلّق بحقوق المرأة في حين اعتبر شيخ الاسلام وابنته ان الاسلام هو دين تحرير المرأة وأحسن دليل على ذلك ان الشيخ بن مراد وفّر لبناته وانطلاقا من سنة 1920 الظّروف الملائمة ليواصلن تعليمهنّ كما شجّع ابنته بشيرة على تأسيس أوّل منظّمة نسائية اسلاميّة سنة 1936 وساندها للخروج في المظاهرات دون خمار أو «سفساري» لاعتقاده أنّ العفاف ليس في المظهر بل في السلوك! لقد كان الشيخ بن مراد يدعم النشاط الاجتماعي والسياسي لكل فتياته وذلك رغم معارضة المجتمع في بداية الثلاثينات وكان بذلك شيخ اسلام ثوريا في ممارساته الدنيويّة وعلاقته بالمرأة علما انه لم يتزوّج سوى امرأة واحدة!
أما بخصوص مؤلّفه «الحداد على امرأة الحداد» فقد دافع فيه عن الاسلام أكثر ممّا تهجّم على الأفكار المتحررة للحداد.. في ذلك الزمن كانت تونس مهددة من المؤتمر الأفخارستي الذي كان يستهدف التونسيين على الصّعيد العقائدي، أي في هويّتهم وقد شارك في هذا المؤتمر أكثر من 45.000 مسيحي وفق ما ذكره الكاتب معز القروي، وكان كتاب شيخ الاسلام ردا علي التهديدات الموجهة للاسلام ومن بينها ـ حسب اعتقاده  سنة 1931 ـ كتاب الحداد..
لقد كان شيخ الاسلام الذي عينه الوطني المنصف باي سنة 1952 وعزله الأمين باي والمقيم العام «شارل ماست» من أكثر اعداء الاستعمار ولم يعتبر ـ أبدا ـ ايمانه ودينه عائقا للحريات بل محرّكا ورائدا، خاصّة لحرية المرأة.

ملاحظة أخيرة: بمناسبة تنظيم المؤتمر الأفخارستي نظّم جامع الزيتونة مظاهرات عنيفة رغم ان شيخين حضرا افتتاح اشغاله..
مهما يكن من أمر، ورغم ان بورقيبة كان المقنن لحقوق المرأة بعد الاستقلال، ممّا يجعله من عمالقة التاريخ،  ورغم انّ الطاهر حداد كان له كتاب قيّم عن المرأة، فانّ نساء تونس ناضلن وساهمن في تحرير البلاد ولا يمكن تهميش دورهنّ في المطالبة بحقوقهنّ وتحرير تونس.. صحيح انّه لم يكن بإمكان صديقي رجا فرحات الإتيان في عمله على أطوار كلّ هذه الملحمة وبطلاتها، لكن ليس من الإنصاف أن يحصر تحرير المرأة التونسية في الحدّاد وبورقيبة، وللحديث بقيّة...