الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية رسالة مفتوحة إلى وزير الدّاخلية لطفي بن جدّو: متـى تنقـشع هـذه الـمظاهر المتخلّفة؟

نشر في  05 فيفري 2014  (11:13)

 لن نذيع سرا إذا قلنا إنّ الأغلبيّة السّاحقة من الشعب التونسي استحسنت تثبيتك في منصبك وزيرا للدّاخلية، فقد أبليت البلاء الحسن  منذ أن باشرت مهامّك على رأس هذه الوزارة، وتحسّن الوضع الأمني غير خاف عن أحد.. واعتقادنا راسخ أنّ العمل الأمني يسير في الاتجاه الصّحيح، وسيتعزّز مردوده لا سيما بعد تعيين السيّد رضا صفر وزيرا معتمدا لدى وزير الدّاخلية مكلّفا بالأمن الوطني، فتخفيف الأعباء عنك سيمكّنك ـ حتما ـ من التفرّغ لملفّات أخرى من مشمولات وزارتك، والتي لا تقلّ أهمية في تقديرنا عن التصدّي للإرهابيين وملاحقة المجموعات المسلّحة والمتطرفين وعصابات التهريب، وهنا مربض الفرس..
لقد مرّ الآن أكثر من ثلاث سنوات على الانتفاضة التي أطاحت بالديكتاتورية، وها إنّنا، وبعد عناء ومشقّة، نحصل على دستور وعلى حكومة كفاءات، لا حكومة موالين ومقرّبين، أثبتت الأيّام عدم أهليتها لإدارة شؤون البلاد بما أنّها متكوّنة من سياسيين هواة فرضتهم الانتخابات على الشعب الذي جنى جرّاءها الاغتيالات السياسية واستشراء العنف وتعالي أصوات الرجعيين المتخلفين وإباحة بلاد ذات حضارة راسخة ومتجذّرة للدعاة الوهابيين الذين استقبلوا استقبال الأبطال الفاتحين «ليشنّفوا أسماعنا» بفتاوى غارقة في الغباء والحماقة والجهل والظلامية..


تونس ليست «بانقي»

أما وقد قيّض الله لتونس أن تتنفّس بعد طول اختناق وأن تستعيد وضعها الطبيعي بعد أن بركت وشارفت على الإفلاس نتيجة ما عرفت من مصائب وويلات على أيدي المتطبّبين ومحترفي الدجل والشعوذة.. أمّا وقد ظهرت بوادر للانفراج والخروج من العتمة التي كانت جاثمة علينا والتحرّر من الأصفاد التي كبّلتنا باسم الشرعيّة.. أمّا وقد برزت مؤشّرات توحي بأنّ  الوضع العام في طريقه نحو الاستقرار، نعتقد أنّ الوقت حان ـ وأكثر من أيّ وقت مضى ـ للقضاء على بعض الظواهر التي تشوّه صورة البلاد وتساهم في إعطاء فكرة سيئة عنها..
فلئن كنّا مع حماية الوزارات والمؤسسات الحكوميّة على اختلافها، نرى أنه لم يعد ثمّة مبرّر لوجود الأسلاك الشائكة خاصّة في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة وأمام مقرّ الوزارة الأولى بالقصبة، فالسوّاح يمرّون بانتظام من هنا وهناك، وهذه الأسلاك لا يمكن أن تخلّف في نفوسهم سوى أسوأ الانطباعات.. انّ هذه الحواجز ترسّخ الاعتقاد بأننا في حرب أهلية أو على  الأقلّ نعيش على  وقع الاضطرابات والاحتجاجات والتوتّرات اليوميّة.. إنّ تونس ليست «بانقي» حيث السلب والنهب وكلّ المظاهر المخلّة بالنظام العامّ..

همجية ما بعدها همجيّة في الحركة المروريّة

لأنّك وزير الداخلية، يتفق أن نرى ركبك ماّرّا، فإذا سيّارات أمن تسبق سيّارتك وأخرى لاحقة، وطبعا تتوقّف الحركة المرورية هنا أو هناك الى أن يمرّ معالي الوزير، والأمر طبيعيّ بما أنّك المسؤول الأوّل عن أمن الشعب، ومن حقّك أن تتمتّع بهذا الامتياز، ولو أنه ليس امتيازا في الواقع.. ولكن لو لم تكن يا سي لطفي وزيرا للداخلية، أي لو كنت تتنقّل بسيارتك الخاصّة لذقت الأمرّين من الهمجيّة السائدة في الحركة المروريّة، فحرق الضوء الأحمر، مع ما في ذلك من أخطار، صار من الأمور المألوفة ان لم نقل «الطبيعيّة»، كما أنّ السير في الاتجاه المعاكس، على ما ينجرّ عنه من اختناق للمرور، بات من عادات بعض السواق، وأمّا ما يرتكبه أصحاب سيّارات الأجرة وخاصّة «التاكسي الجماعي» من تجاوزات ومجازفات وخروقات، فيصعب تصديقه.. ولو صادف أن مرّرت يوما من «الباساج» أو ساحة برشلونة لرأيت سيّارات النقل الجماعي تحتل الطريق العام و«سوق ودلال»، والمؤلم أنّ الظاهرة في تفاقم والنّظام العامّ يزداد انخراما..
في العهد السابق لم يكن سائق يجرؤ على خرق قانون المرور، فالبوليس كان بالمرصاد لكلّ المغامرين.. وعوض أن تكون الثورة مرفوقة بالسلوك المتحضّر، ها إنّ كلّ شيء مباح، وكم أنّ العاصمة غريبة عنّا وهي غارقة في فوضى عارمة..
..وفي شارع محمد الخامس الذي لا يبعد عن مكتبك يا سي لطفي سوى مسافة قصيرة، صار عاديا أن يتكوّن صفّ ثالث ورابع وخامس في اتجاه واحد فيختنق المرور وتتعالى أصوات منبّهات السيّارات مستغيثة مستجيرة..

الانتصاب الفوضوي غول اجتاح العاصمة

قبل سقوط النظام السابق، كانت للعاصمة حرمتها وكان الانتصاب الفوضوي محتشما جدّا وملاحقا من قبل رجال الأمن رغم أنّ مخالفة القانون كانت تتمّ في نهج شارل دي غول ونهج اسبانيا، ونهج ألمانيا ونهج جمال عبد الناصر، أي في أنهج داخلية.. أمّا اليوم، وحتى تضمن الأحزاب الحاكمة الأصوات في الانتخابات القادمة بالصمت على التجاوزات بدعوى السّماح للبعض بضمان الرزق، نرى الانتصاب في كلّ مكان بما في ذلك شارعا بورقيبة وباريس ممّا شوّه صورة العاصمة وأفقدها نضارتها.. حيثما مررنا، تجّار يبيعون كلّ أنواع السلع والبضائع، وهم في أغلبهم من الشّباب الذين نزحوا من داخل بعض مدن الجمهورية ليستقرّوا في العاصمة.. انّ الانتصاب الفوضوي كارثة حلّت بتونس ولسنا ندري إلى متى سيتواصل الصمت عنها؟
ومن «بركات» الثورة» و«خيراتها» و«عائداتها» أن خرجت «الأكشاك» من الأرض ـ ودائما بدعوى الارتزاق ـ  مثل الفطريّات، كما عمّ البناء الفوضوي خاصّة بالأحياء المحيطة بالعاصمة، وأمّا بعض المطاعم (نهج ابن خلدون عينة) والمقاهي فقد احتلّت الطريق العام لعلّها تربح المزيد من المساحات.. ومن آخر حيل السطو على جيب المواطن، أن صارت السجائر المسعّرة تباع في دكاكين التبغ (ولا نقصد الأكشاك) بفارق خمس وستّ مائة ملّيم عن سعرها الأصلي، ولا حسيب ولا رقيب..
نرجو سيدي الوزير ألاّ تدوم هذه المظاهر المزرية أكثر ممّا دامت، فالسّواح ـ وبعد انقضاء الفترة الحالكة الماضية ـ عائدون، فليتهم يجدون تونس القديمة بكلّ ما فيها من نظام وجمال، ونحن نعوّل كثيرا على حزمك وجدّيتك.

نجيب الخويلدي