الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة في مؤلفه "الموازي في أخبار المسرح النشازي": توفيق الجبالي يتصفّح ذاكرته المسرحية ويسرد للتاريخ

نشر في  22 جانفي 2025  (15:31)

ما الذي يمكن أن يطفح على سطح ذاكرة مسرحيّ تونسيّ عايش أغلب الاحداث التي حفت بالمشهد المسرحي منذ السبعينات؟ في مؤلفه "الموازي في أخبار المسرح النشازي" الذي صدر مؤخرا عن دار "نقوش عربية"، يتصفّح المسرحي توفيق الجبالي صفحات من ذاكرته الشخصية والمهنيّة ساردا للتاريخ وقائع وأحداث من سيرة فنان من أبرز الفاعلين في المشهد المسرحي التونسي منذ ما يزيد عن الـ50 عاما.

قبل تقديم فحوى الكتاب، حريّ بنا أن نتوقف عند مصطلحين اثنين وردا في عنوان المؤلف وهما "الموازي" و"النشازي"، اذ تبدو مسيرة الجبالي موازية للمنحى العام الذي اتخذه المسرح التونسي لعدّة أسباب منها عصامية تكوينه وعدم اعترافه بفكرة الاحتراف وجمعه بين الكتابة والتمثيل والإخراج فضلا عن ميزة أساسية تتعلق بشخصية الجبالي يمكن أن نصفها بـ"المسافة من أشياء الحياة" سواء كانت القواعد او النواميس او المعتقدات الاجتماعية التي سعى دائما الى وضعها على محك الاختبار الفني.

اما بالنسبة لوصف "النشازي"، فهو في علاقة بالمقاربة الفنية التي يعتمدها الجبالي والتي لا تبحث عن التناغم او الانسجام مع أي شكل من الانتاجات المسرحية "الكلاسيكية" بقدر ما تقوم على التفرد والسخرية والروح النقدية وتعبيرات مسرحية تعكس ما يُسميه الجبالي نفسه بـ"انزعاج من اشياء هذا الوطن وناسه".

  يتوقف الكاتب في بداية مؤلفه عند مراحل فارقة من تاريخ المسرح التونسي ومنها أعمال علي بن عياد التي شكلّت وفق نظره بداية تحوّل المسرح التونسي الفعلية ابتداء من 1961 بعد محاولات شخصيات مؤثرة مثل عبد العزيز العقربي وحمادي الجزيري، ثم صدور بيان الـ11 الصادر سنة 1966 والذي اتخذ مسافة مع ما يُسمى بالمسرح البرجوازي، وكان الجبالي من بين الموقعين عليه، ثم تأسيس فرقه الكاف ثم فرقه قفصة من قبل من يسميهم جبالي بـ"الجيل التلقائي" الذي يستمد الهامه من تجارب متنوعة معتمدة على حب المسرح والاكتشاف والتجريب ومنهم الفاضل الجعايبي والفاضل الجزيري وجليلة بكار ومحمد ادريس ومنصف الصائم وعبد الرؤوف الباسطي.

 كما يكشف الجبالي عن تفاصيل عديده كمثل سبب انفصاله عن فرقة المسرح الجديد واستقراره بمصر لمدة سنتين (1976- 1978) وانشاء مسرح "فو" سنه 1979 مع رجاء بن عمار ومنصف الصايم وغيرها من الاحداث والوقائع وصولا الى تأسيس فضاء التياترو الذي فتح أبوابه للجمهور يوم 5 اكتوبر 1987.

بين ذاكرته الشخصية ورؤيته للثقافة ولدورها في مجتمعنا، تطرّق الجبالي لمواضيع مختلفة منها بالخصوص ثلاث مسائل سنتوقف عندها في هذا المقال من دون أن نكشف المزيد تاركين لقارئ الكتاب متعة اكتشافها بنفسه.

باهتمامه بموضوع الرقابة التي سُلّطت على أعماله المسرحية، يعكس توفيق الجبالي صفحة من تاريخ تونس السياسي في علاقته بحرية الرأي والتعبير، اذ كانت السلط السياسية في ظلّ نظامي بورقيبة و بن علي تهاب حريّة التعبير وتعتبرها خطرا يهدد بقاءها، فلا سبيل لأعمال تنتقد او تستهزئ بالسلطة او حتى تلّمح للتجاوزات ما عدا القليل القليل. ولعلّ ما زاد من حدّة هذه الرقابة هي طبيعة الأشخاص التي كانت لها مناصب سياسية وادارية من وزراء ومسؤولين بوزارة الثقافة فكانوا في جلّهم طيّعين، منعدمي الانفتاح، غير متعاونين وبالأخص غير واعين بقيمة حريّة الابداع ودورها في ارساء مجتمعات متحررة ومتوازنة. ومن بين هذه الاعمال الرقابية، منع مسرحية "تمثيل كلام" (مسرح "فو" 1980) من قبل لجنة التوجيه المسرحي، ومطالبتها بحذف عبارات على غرار "الحكومة لا كانت باهية لا خايبة" وكل الكلمات ذات الوضع المحلي: "البوزة"، "الاولياء"، "القصبة" من مسرحية "مذكرات ديناصور" (1987) وأيضا اعتراضها على عدد من الجمل الواردة في مسرحية "هنا تونس" (2005) ومنها جملة "نحمد ربي اما خير ولا في الدزاير" كما طلب رئيس اللجنة (م.ش) الغاء مشهد حول تيمة الموت.

اما الموضوع الثاني الذي خصّه الكاتب بالاهتمام فهو في علاقه بثنائية الاحتراف والهواية، وهو موضوع ما زال يطرح نفسه الى غاية اليوم بين من يستفتون في أحقيّة المحترفين والمتخرجين من المعهد العالي للفن المسرحي وحدهم بالصعود على الخشبة وبالاستئثار بالحقوق والدعم والاعتراف وبين من يعاكسونهم الرأي معتبرين أنّ العمل المسرحي عمل حرّ لا يرتبط لا بالشهادات ولا بالتفرغ بالكامل.

وفي هذا السياق، يعتبر الجبالي انّ الاحتراف "وهم" بما أنّ أغلب العاملين في هذا الميدان يمارسون انشطة اخرى ولأن نشاطهم المسرحي ما هو الا نشاط جزئي ظرفي لا يتعاطونه باستمرارية أو تفرّغ تام، وهي رؤية سعى المسرحي لتكريسها من خلال "استوديو التياتر" الذي كوّن فيه المئات من الشبان منذ قرابة العشرين عاما مطالبا ومشددا في نفس الوقت على أهميّة ايلاء المسرحيين الهواة والعصاميين الاعتراف الذي يستحقونه وضاربا مثال عدد من المسرحيين "الدخلاء من غير الخريجين من المعاهد الاكاديمية" على غرار ستانيسلافسكي وبريشت ومايرهولد وبيتر بروك وهارولد بنتر وغيرهم.

الموضوع الثالث الذي سلّط عليه الجبالي الضوء، يتعلّق بطبائع البشر من فنانين وصحافيين في هذه البلاد والتي يغلب عليها الجحود والنكران وحتى الشر في بعض الأحيان، فمما ذكره الجبالي أنّه فتح أبواب فضاء التياترو لفنانين عدّة في بداية مساراتهم لكنّهم تنّكروا له ما إن امتدت شهرتهم لخارج الحدود. كما يشير الجبالي لعلاقته المتوترة مع بعض الصحافيين ضاربا مثال صحفي من الإذاعة الوطنية خصّه بالعبارة التالية: "توفيق الجبالي طول نهار يسبّ وينقذ فينا، يحمد ربي اللي ما هوش في الحبس"، ومستحضرا نسخة من مقال اتُهم فيه اجحافا بتلقي أموال من مسرحيين هواة للمشاركة في عرض افتتاح مهرجان الحمامات !

 ورد مؤلف "الموازي في أخبار المسرح النشازي" ثريّا بتجربة رجل كان شاهدا على العصر وفي نفس الوقت فاعلا فيه بمسرحيات ظلّت راسخة في ذاكرتنا الجماعيّة ومنها "كلام الليل" و"فمتلا" و"عطيل" و"مذكرات ديناصور" و"المجنون" و"مانيفستو السرور" و"صفر فاصل" وغيرها من الاعمال التي تثير بتفرد مقارباتها وعزفها على اوتار تفاجئ المتفرج في كل مرة بعروض خارجة عن المألوف.

شيراز بن مراد