الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية عندما يخدم اليساريّون بغباء أعداءهم... بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر

نشر في  24 جانفي 2021  (20:03)

بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر
شعار "سحقا سحقا للرجعية دساترة وخوانجية" الذي بدأ اليساريون يرفعونه خاصة منذ تحالف السبسي مع الغنوشي أو النداء مع النهضة، وتواصل معهم رغم موت السبسي و تفرقع حزبه وانتهائه شذرا مذرا ويواصلون رفعه اليوم والحال ليس الحال.
"الدساترة" الذين يعنونهم الآن هم خاصة الحزب الحر الدستوري، حزب عبير موسي، والذي يرى فيه "الرفاق" وبشدة "الثورة المضادة" وانه " تواصل لنظام بن علي" ولم يقنعهم الواقع أن بن علي الذي رحل الى عالم آخر وانّ نظامه السياسي انتهى وحتى رموزه توزعوا على بقية "الأحزاب" واكثرهم أضحوا في صف "النهضة" وآخر أمنائه العامّين هوالآن الذراع الأيمن للغنوشي ومستشاره النصوح.
أما الدستوريين في حزب المحامية عبير موسي وان كانوا يقرّون انهم يواصلون السير على هدي العقيدة البورقيبية والركائز التي بنيت عليها دولة الاستقلال اي الوطنيّة والحداثة والعدالة الإجتماعية فانهم يعلنون كذلك عاليا انهم مع النظام الديمقراطي ومستلزماته ومع كل مكتسبات المجتمع التحديثية ومع المساواة بين المرأة والرجل وضد الفكر الظلامي ومع التنوير والتحديث دائما.
ثم أنّ الدستوريين ليسوا هم من يحكمون البلاد منذ 2011 ولا يتحملون مسؤولية ما تردت فيه كدولة وكمجتمع، بل مسؤولية ما صارت اليه الأمور تعود بالأساس لحزب الإخوان (النهضة) وتوابعها ومن استظلوا بظلها أو حكموا باسمها. وان ثمة معارضة وشعارات يجب ان ترفع فهي لن تكون الا في وجه الغنوشي وجماعته وحلفائه.
ورغم هذه الحقائق الساطعة يواصل اصدقاؤنا من اليسار وضع الاخوان والدستوريين في نفس "القفة" واعتبارهم خونة وأعداءا للوطن وينادون حتى بسحقهم!
صحيح أنّ مقاربات اليساريين على اختلافهم و تعدد رؤاهم للاقتصاد والمجتمع والثقافة ولتوزيع الثروة والعلاقات الدولية لا تتطابق دائما مع رؤى الدستوريين (وان كانوا هم ذاتهم يختلفون) لكن مالا يريد ان يقرّ به اليساريون (وربما على جهل عند بعضهم) هو انّ جل الاصلاحات والقوانين ذات البعد الاجتماعي والمساواتي قاموا بها مسؤولون دستوريون.
لكن السياسي الواقعي يقيّم بموضوعية ما تتطلبه المرحلة التي تمر بها بلاده ويحدد الأهداف التي يبغي بلوغها وأي قوى يمكنه أن يصطف معها لتحقيق غاياتها، هذا أن كان فعلا يريد تغيير حياة الناس وينقذ وطنه، اما ان كان يريد فقط طهورية ثوريّة ونقاء عقائديا يتباهى به أمام الناس ويعود لينام حالما فذاك موضوع آخر، ولا اخالني أبالغ في ظني أنّ غالب مكونات الخطاب اليساري حاليا هي من هذا القبيل.
ثم أن رفع شعار يسوّي بين الدستوريين والمتأسلمين هو يخدم في الأخير جماعة النهضة اذ يخفف عنهم الضغط ويصرف النظر عليهم لغيرهم ويعطيهم فرصة لمحاولة التفصّي من مسؤولياتهم في ما جرّوا اليه البلاد من فقر ويأس وافلاس ويرمون المسؤولية على من يسمونهم ب "الثورة المضادة" المدعومة "من الامارات"، اي الدستوريين، كما يروجون.
ثم ألم يعتبر اليساريون ممّا فعل حكّام الاسلام السياسي باليساريين الذين استعملوهم للوصول للحكم ثم عندما تمكنوا احكموا فيهم التقتيل والتشريد والمحاكمات، راجعوا ما وقع في ايران و السودان وفي غزة وفي العراق و الصومال و اليمن... لأنّ الإخوان ومشتقاتهم هم اعداء بالدرجة الأولى لكل حاملي الفكر العقلاني و دعاة المساواة بين البشر في القيمة و الثروة ولكل المؤمنين بالوطن.
لعلّ يساريونا يستفيقون ويعون أن تونس في حاجة اليوم لجبهة تضم الوطنيين الحقيقيين و التقدميين بمشاربهم بما فيهم الدستوريين ضد النهضة وتوابعها وضد المافيات المستظلة بظلها وكل المتمعشين من الفساد و اضعاف الدولة وتخريب هياكلها.