الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة أُهدي عرضها الاول لروح "مها القضقاضي": مسرحية "بين الوديان" لمقداد الصالحي مسكونة بهاجسي المعاناة والترحال

نشر في  26 ديسمبر 2020  (09:19)

 قدمت شركة مينرفا للفنون الركحية العرض الأول لمسرحية "بين الوديان" مساء الجمعة 25 ديسمبر 2020 بفضاء مينرفا تياتر بسبيطلة بدعم من وزارة الشؤون  الثقافية . إخراج مقداد الصالحي، مخرج مساعد الفنان الطيب الملايكي، سينوغرافيا الفنان أحمد نصرللي، نص زينة مساهلي، تمثيل مقداد الصالحي، كمال بوعلاقي وزينة مساهلي، إضاءة شاكر قاهري وصوت محمد أمين الصالحي.

 وقد تم تقديم هذا العمل في عرضه الأول كإهداء لروح زهرة الوادي البرية "مها القضقاضي" التي يذكر رحيلها بأسطورة الملك العظيم الذي أوغل في التسلط و الطغيان  حتى أنه كان يأمر رعيته  في كل سنة برمي أجمل فتاة لديهم في قاع النهر المجاور كقربان بسيط يؤكد ولاءهم له وتبعيتهم لحكمه وسلطانه الجائر..  وبالتالي يغدق على هؤلاء المستضعفين من الشعب بالكثير من الطمأنينة الزائفة والقليل من الكرامة وفتات الخبز..

 وقد أوغل هذا العمل الفني في الغوص في واقعنا الأليم والكشف على ما تعانيه مجتمعاتنا اليوم من تفقير وتهميش.. وبالتالي حملت مسرحية "بين الوديان" شخوصها كثيرا من الأعباء والهواجس فكانت  معتمة مفتقدة للضوء ودائمة القلق والحيرة يسكنها هاجس الترحال تعاني أزمة عبور خانقة  نحو الضفة الأخرى وكأن الأمكنة والأزمنة في هذا العمل المسرحي تتوقف عند  "محطة العبور" التي جمعت شخوصا مغتربة تبحث عن ماهيتها بين المتضادات..

هناك حيث اعتادت  الصحفية " أمل" اللقاء بصديق الدراسة "أحمد"  الضرير قصد إحياء ذكرى محزنة حدثت لكليهما في سنوات الطفولة والتي تتمثل في غرق "حياة " في الوادي.. حيث يشعر كل منهما بالذنب الذي اصطحبها طوال العمر لأنهما لم يتمكنا من إنقاذ "حياة" رغم محاولاتهما الفاشلة التي انتهت بإصابة "أحمد" بفقدان البصر وبانقطاعه المبكر عن الدراسة ومن ثمة انشغاله بالفن لتجاوز عجزه والتعبير عما يخالج نفسه من شعور بالظلم.. بينما تنشغل "أمل" بمهنة الصحافة وتوكل لنفسها الوقوف في خط النار والدفاع بكل جرأة وشجاعة على منطقتها المنسية التي تفقد الكثير من أبنائها جراء فيضان الوادي المتكرر وانعدام الجسور.. وبذلك يسعى  كل منهما  إلى التنفيس عن مأساته قدر الإمكان من خلال التواجد في مكان الحادثة والاستنجاد بالذاكرة وتحدي العجز الذي أصابه طوال رحلته العسيرة.

وفي يوم ما تحدث المفارقة الغريبة ويتصادف موعد اللقاء بفيضان الوادي وبطرد "أمل" من الجريدة  من طرف المدير المتعجرف الذي  مثل الإعلان المأجور لما يخفيه من حقائق  وتواطؤه مع  بعض الفاسدين الذين تلقوا الكثير من الانتقاد والصد من طرف الصحفية "أمل" والذين عملوا جاهدين على طردها من الجريدة وإخماد صوت قلمها الجريء.. وتتضاعف بذلك مأساة  "أحمد" و"أمل" خاصة عند لقائهما بـ"الغناي "كمال" الضرير و الذي اصطحبهما في رحلتهما الشاقة و الذي جازف بحياته من خلال تحدي الوادي وإصراره على مواصلة الرحلة إلى الضفة الأخرى متحديا  بذلك حتمية الموت المؤكد..

ومن ثمة أدمجت شخوص بين الوديان في حالة صراع غير متكافئ القوى فبدت في بعض المشاهد شخوصا أسطورية تتمتع بقوى خارقة  مثل النساء العاملات اللواتي يرضخن الوادي تحت امرتهن حيث  يجعلن منه مصدرا لرزقهن من خلال بيع "الطواجن والمعاجن والكوانن"... "نحنا النساء منك مانخافوش مانذلوش.. نحرقك بالنار ونصنعك فخار"..

وفي بعض المشاهد الأخرى تبدو شخوصا معتمة ومقعدة يصيبها العمى والعجز  تعاني من سخط المكان وجفافه وفي بعض المشاهد بدت حالمة ومفعمة بالأمل والحب يدفعها شغفها بالفن إلى التضحية  والمغامرة ومجابهة الموت لتحقيق متعة الفن والتي أظهرتها  شخصية كمال "الغناي" الذي أمد "أمل" و"أحمد" بالكثير من الحياة والأمل "نمشي لبلادي ونتلفت ونبات في ضل الكيفان.. يا عين بالدمع جفت من شوقي لزين الغزلان"..

وقد تطابقت سينوغرافيا هذا العمل المسرحي مع ماهية المكان والزمان فبدت الأمكنة معتمة تطابق إصابة كل من "أحمد " و "كمال" بالعمى فلا وجود لعلامة تدل على أي  وطن من الأوطان  بينما تعاني "أمل" الصحفية من شدة وضوح الرؤيا إلى درجة الشعور بالاحتقان والثورة على الوضع السائد..

  وهذا بدوره إحالة إلى ما تعيشه الشخوص من غربة عن  الأوطان وكأنها في عذاباتها وتهميشها أصبحت لا تنتمي إلى وطنها الأصلي. ومن ثمة فان هذه المسيرة الوجودية  لأبطال مسرحية "بين الوديان" تزج بالشخوص إلى أقصى مراحل العبثية  لتكون شخوصا مقعدة يرهقها الثبات رغم  ترحالها المتكرر.

تصوير محمد الدبابي