الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة مسـرحيـة ''ذاكـرة'' لسـلـيـم الصـنـهـاجي وصـباح بـوزويتة: مـن أجـل الحـق فـي ردّ الاعـتـبـار ولـو بـعـد أجـل

نشر في  18 أكتوبر 2020  (18:22)

تحت أضواء اكلينيكية، فُتِح الجرح. جرح الماضي بما فيه من اوجاع ذاتية وجماعية. فتح الجرح ومعه دفات الذاكرة على انتهاكات الأنظمة الديكتاتورية وما تقترفه في حق معارضيها من تضييقات وممارسات هابطة. فُتح الجرح عسى ان تندمل بعد سنوات من الصمت تلك التقرحات التي ظلّت موجعة، متلازمة مع الكيان والذاكرة.

حول تيمة الذاكرة وممارسات الأنظمة القمعية ومعها الحق في العدالة وردّ الاعتبار، عن الدور الذي لعبه بعض الأطباء والمحامين الذين باعوا ضمائرهم للسلط الحاكمة، قدّم الثنائي سليم الصنهاجي وصباح بوزويتة اقتباسا مسرحيا حرّا لنص "العذراء والموت" للكاتب أربيل دورفان يحمل عنوان "ذاكرة".

في بياض الفضاء المعلّق الذي تتواجه فيه حقائق الذاكرة الأليمة مع حجج من فقدوا سلطة الأمس، تماهت صباح بوزويتة متقمصة دور كنزة زوجة المحامي المعارض مرتضى (علاء الدين ايوب) الذي يهادن النظام ويصبح مقربا منه والتي تتعرض للاغتصاب من قبل احد أطباء النظام "الدكتور الترلي" (رضا بوقديدة)، هذا الطبيب الذي يُشرّع للتعذيب في اقبية الداخلية.

يجتمع الثالوث بعد مرور حقبة من الزمن، بعد ان نزلت السنوات بثقلها عل كاهل الأجساد والارواح، فتسعى كنزة الى استرجاع حقها المسكوت عنه قائلة: "سامحت اما ما نسيتش، سهيت انا ما نسيتش، كل شيء مدفون لهنا... ما نحبش ننسى وما يلزمنيش ننسى... يلزمني اعتراف في حجم الي عشتو، يلزمني اعتراف".

في هذا التعليق الزمني المتعطش لاسترجاع الحق، اشتغل الثنائي الصنهاجي وبوزويتة على مبدأ التوليد في قول الحقيقة واستبيانها من خلال الإفصاح المتدرج عنها لارتباطها بأوجاع ما مورس من انتهاكات، في علاقتها بألم الذات، بالصمت، بوأد الاوجاع، وبالرغبة في ان تبان جليّة في يوم ما للعيان. على حبل هذه الحقيقة مستعصية الخروج من فم الذاكرة، تقدمت خطوات الضحيّة مستحضرة تارة أشباح الماضي الاليم ومفصحة تارة اخرى عن التعطش لرد الاعتبار.

وقد تضمنت مختلف حيثيات النص المسرحي توقفا عند معنى المساءلة التي تشمل البعد البسيكولوجي والجسدي والقانوني للضحية فالطريق الى إعادة الاعتبار طويل بحكم تحجج الجلادين بالنسيان والانكار وبضعف الأدلة. لكن الضحية تتمسك بموقفها قائلة "الرعب شاهد والمرض والسيكاتريس وانا شاهدة، وانا الاثبات".

والى جانب المضامين المذكورة أعلاه، شكّل التوضيب الركحي ركيزة أساسية للعمل حيث تم اللعب على استعمال الفضاءات "الأعلى والاسفل"، "الهنا والهناك"، بياض المكان الذي يرغب في التخلص من أدران الماضي وعلى تلك التفاصيل الصغيرة التي تؤدي المعنى بكثافة: غبار الماضي الذي ينفضه الممثلون من على ثيابهم، حقائبهم القديمة التي توحي بكمّ الذكريات وثقل السنون التي مرت، الستار الشفاف الفاصل الذي يقف حاجزا وعقبة امام الحقيقة، الموسيقى الكلاسيكية التي تصبغ القضايا المطروحة بطابعها الكوني، الطلقات النارية التي تحيل الى فزع صدى الماضي، الانارة الباردة والهادئة التي تستدعي فكرة انّ الانتقام "طبق يُقدم باردا".

في المسرحية أيضا ايحاء ما لمسرحية "يحي يعيش" للفاضل الجعايبي (2010)، فتبدو "ذاكرة" بمثابة التكملة الفنية لما قيل -في العمل الأول- من تنبيهات ومن تحذيرات حول تجاوزات النظام الاسبق قبل سقوطه. وهاهم ضحايا الامس من المستهدفين يستردون -في العمل الثاني- حقّهم من خلال كشف انتهاكات الماضي ودعوتهم لمحاسبة جلاديهم ولإنصافهم على خلفية ما طالهم من مظالم.

في "ذاكرة" سليم الصنهاجي وصباح بوزيتة، انتصار واضح لمسار العدالة الانتقالية الذي عرفته بلادنا مؤخرا بما في ذلك من مكاشفة واعتراف ومحاسبة واعتذار ورد اعتبار. كل ذلك قيل بلغة فنية مميّزة شابهت السحابة البيضاء الهادئة التي تنفتح على حيثيات الماضي السياسي المؤلمة قبل ان تمطر سخيّة بحبات استرجاع الحق ولو بعد أجل.  

ملاحظة: تابعت عرض مسرحية "ذاكرة" بقاعة "المبدعين الشبان" بمدينة الثقافة ساعة قبل ان يعلن رئيس الحكومة عن غلق الفضاءات الثقافية وقاعات السينما في اطار مواجهة تفشي فيروس كورونا. وقد راعني هذا القرار لما لمسته من جدية ودعني أقول من صرامة في تطبيق البروتوكول الصحي من واجب ارتداء الكمامة وتعقيم اليدين بالسائل الكحولي قبل دخول القاعة ثم التباعد الجسدي في الفضاء الذي كانت طاقة استيعابه في حدود الخمسين بالمائة حتى خلت نفسي بصدد المشاركة في تجربة من نوع الخيال العلمي!

فكيف لأهل المسرح والسينما والموسيقى ان يداوموا في انتاجهم اذا ما اوصدت فضاءات تواصلهم مع الجمهور، كيف لهم ان يضمنوا قوتهم وقوت عائلاتهم اذا ما تم حرمانهم من العمل. فهذا ببساطة حرمان من العمل وحرمان للفنان من الابداع في منحاه التواصلي.

وكان من الاجدى بالطبع التشاور مع اهل المهنة من اجل التوافق حول طرق عملية لتغيير مواقيت العروض والحد من الحضور واتباع وسائل الوقاية الصحية. زاد على حزن الكورونا وما خلفته من إصابات وضحايا حزن تونس بقاعات سينما ومسارح ودور عرض مغلقة بلا روّاد ومتفرجين يملؤون الشوارع والفضاءات حياة ويضمنون غذاء روحهم بالمسرحيات والافلام وغيرها من مزايا عروض الموسيقى ومعارض الفنون التشكيلية.

شيراز بن مراد


الأكثر قراءة

أشهر اسماء المرأة الامازيغية ومعانيها
رملة ذويبي تعلن إنفصالها عن علاء الشابي بهذه الكلمات
أبناء الراحل زين العابدين بن علي "غزوة ودرصاف وسيرين ونسرين وحليمة ومحمد زين العابدين" ينشرون هذا البلاغ
ألفة يوسف تعلّق على ظهور مايا قصوري إلى جانب عبير موسي في اعتصام "الغضب" للحزب الدستوري أمام مقر "القرضاوي"
السيارات الشعبية لسنة 2020 في تونس: التفاصيل عن الماركات والأسعار
رملة ذويبي تعلن رسميا عن إنفصالها عن علاء الشابي وتتحدث عن الأسباب
تعرف على القصة الحقيقية وراء أغنية الأطلال لأم كلثوم
في تقرير مطوّل: القاضي الطيب راشد يتّهم البشير العكرمي بالتورّط في ملف اغتيال الشهيدين بلعيد والبراهمي... التفاصيل
يمينة الزغلامي توضّح بخصوص حقيقة سفر محرزية العبيدي على متن طائرة طبية خاصة نحو فرنسا للتداوي والصورة المتداولة
المدير العام للديوان الوطني للزيت: أسعار زيت الزيتون ستشهد ارتفاعا وهكذا ستكون الاثمان

رياضة

آخر أخبار الرياضة

فايس بوك