الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة فيلم "أثينا" ليوسف الباهي ومهدي الهمامي: صورة بليغة عن عبثية الحرب

نشر في  10 أوت 2019  (12:54)

تجري أحداث فيلم "أثينا" المتحصل على الجائزة الخاصة للجنة تحكيم المسابقة الدولية في الدورة 34 للمهرجان الدولي لفيلم الهواة بقليبية في ثكنة عسكرية. ثكنة تفتح بطنها على مشاهد عراك وتصفية جسدية ورقص كما هو الشأن في كل الحروب. يتولى جنديان تصفية مجموعة من الاسرى واحدا تلو الآخر بينما يحوم في الفضاء الخلفي عدد من الجنود حول راقصة اعتلت حلبة دائرية صغيرة على وقع ربوخ موسيقي محموم، يرفعون اياديهم ويتمايلون مع الموسيقى المُنسابة وجسد المرأة المُندفع.

يُعلم أحد الجنود زميله انه قرر مغادرة المعسكر (يزرتي) للالتحاق بالمرأة التي يُحبها ثم تتواصل اطوار القصة الى أن يقع ما لم يكن في الحسبان ولتتوضح تيمة الفيلم التي اشتغل عليها السينمائيان يوسف الباهي ومهدي الهمامي، وهي أنّ الحروب مُدمرّة وغدّارة يتخلص فيها البعض من أعدائهم لكنهم يفقدون فيها أيضا أحبتهم، فتتحطم الأحلام البسيطة والأحاسيس المُرهفة ومختلف أشكال الممكن. أن تكون في دائرة الحرب، فانك ستفقد الكثير من انسانيتك، لا تنتظر أن تخرج منها سالما أو منتصرا، وحتى لو انتصرت فإنك ستكون حتما خسرت الكثير.

ويتوّفق ثنائي نادي سينما الهواة بحمام الانف من خلال قصة بسيطة ومحبوكة في آن واحد تدور اطوارها في ثكنة عسكرية في اثارة تيمة الحرب ومساوئها وإدانة بشاعتها، فالحرب عنف وفقدان للإنسانية وظلم قبل ان تكون رديفا لاسترجاع الحقوق او لبسط النفوذ أو للنصر.

غير انّ اللافت في فيلم "أثينا" هي مقاربته الجمالية، فقد تم الاشتغال على الإضاءة وعلى الأجساد بطريقة أعطت للفيلم هوّية مخصوصة. فالاضاءة وخيار الأبيض والأسود منحا الشريط ذلك البعد المعزول عن بقية العالم، عزلة المصير وعزلة الحرب التي لا يمكن ان تحمل ألوانا بأي شكل من الاشكال.

كما يوحي الفيلم بقوّة الى أفلام الأبيض والأسود القديمة التي اشتغلت على موضوع الحرب والى مشاهد النزاعات التي عشنا على وقعها في العشرية الأخيرة بما فيها مشهد الرقص الجماعي  حيث "يسجد" المحاربون رقصا للمرأة "أثينا" آلهة الحرب والحكمة والقوة في صورة تحمل رمزية مضاعفة: الأولى للمدينة الجامعة الجديدة التي تبني لُحمتها على أنقاض الحرب والثانية لجسد المرأة الذي يصبح زمن الحرب ملاذا وسبيلا يُفرغ من خلاله الجنود طاقتهم ويُرضون به غريزتهم.

أما خيار الشاشة المُربّعة، فهو اختيار صائب خدم جلّ مشاهد الفيلم اذ تبدو الشاشة بمثابة النافذة التي تطلّ على مختلف المشاهد التي سيتابعها المتفرج في الثكنة، كما يسمح للكاميرا بأن تكون لصيقة للاجساد في مختلف المواجهات التي ستكون فيها طرفا. وفي هذا السياق، يبدو خيار المخرجان واضحا اذ ينتصران الى شخصياتهم في بعدها "الملحمي"، فهم ليسوا مجرد أفراد بل كائنات تسير على خط الموت. كل المشاهد تحيل تقريبا على هذه الأجساد المتصارعة، على هذه العوالم المغلقة التي يتخلى فيها المحاربون عن طابعهم الإنساني لفائدة ذلك الطابع المتمرد وذلك بفضل اللعب على اللقطات الكبرى (les gros plans) والثنائيات المتصارعة (les plans à deux) واللقطات الواسعة (les plans larges) التي يظهر فيها الجنود متجمعين او مشاهد تصفية الاسرى أو مشهد الرقص الغرائزي، فالحرب ايضا مسألة غريزة.

زمن الحرب يرتدي الجسد لبوس العنف وتُقمع الاحاسيس، يجتمع البعض حول الآلهة الحامية ويفقد البعض الآخر معنى الخير والشر، على هذه الركائز بني الثنائي يوسف الباهي ومهدي الهمامي قصة فيلم "أثينا" ليقدما صورة بليغة عن عبثية الحروب، عندما يحسب البعض انهم منتصرين وقد خسروا الكثير دون ان يشعروا.

شيراز بن مراد