الصفحة الرئيسية  اقتصاد

اقتصاد منها رهن القطاع الفلاحي بالأسواق الاوروبية وتحويله الى قطاع "مناولة": هذه أبرز انعكاسات ومخاطر الأليكا على القطاع الفلاحي

نشر في  14 ماي 2019  (12:32)

أصدرت مجموعة من الخبراء والشباب الناشط صلب منظمات وجمعيات تونسية مدنية كتيبا يحمل عنوان "الدليل المواطني للأليكا" ويهدف الى تقديم قراءة مواطنية ونقدية لما يمكن اعتباره أخطر اتفاق تجاري عُرض للتفاوض على تونس. كما يسعى الكتيب الى تعميم وابراز مخاطر هذه الاتفاقية التي اطلق عليها اسم "اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق والتي تهدف الى توسيع نطاق التبادل التجاري بين الاتحاد الاوروبي.

وقد ارتأنا أن ننقل لكم فحوى ما تضمنه الدليل -الذي انجز بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ وتضمن مجموعة من الرسوم الكاريكاتورية سهر على اعدادها الرسام توفيق عمران - بشأن القطاع الفلاحي والانعكاسات و المخاطر المرتقبة ومنها رهن القطاع الفلاحي بالأسواق الاوروبية و تحويله الى قطاع "مناولة" وضرب السيادة الغذائية وعودة الاستعمار الزراعي.

1-      محتوى مشروع  الاتفاق

يحتـوي مشـروع الاتحاد الأوروبي علـى عـدة أبـواب قـد تؤثـر علـى قطـاع الفالحـة فـي تونـس، إلا أن هـذا القطـاع يبقـى معنيـا بصفـة مباشـرة ببابين: تحرير المبادلات التجارية واعتماد المعايير والمواصفات الأوروبّية

تحرير المبادلات التجارية في القطاع الفلاحي :

يشمل مبدأ تعميم تحرير المبادلات التجارية المنتوجات الفلاحية والمنتوجات الفلاحية المحولة ومنتوجات الصيد البحري وذلك استكمالا للمسار الذي انطلق مع اتفاق الشراكة لسنة 1995.  و سيتم هذا التحرير اعتمادا على الاليات التالية

  • اعتماد فترة انتقالية  للتحرير الكامل من الجانب التونسي (من 0 الى 10 سنوات) يقع تحديدها حسب المنتوج.
  • اعتماد "قائمة سلبية"  تخص المنتوجات الحساسة  الغير محررة و التي تتطلب اجراءات خصوصية
  • ابرام اتفاق حول  حماية "المؤشرات الجغرافية" للمنتوجات الفلاحية و الغذائية  يضمن في الفصل المخصص لحماية الملكية الفكرية.

لذلك فان التفاوض سينحصر فقط في النقاط التالية:

  • تحديد قائمة المنتوجات الحساسة او "القائمة السلبية" وضبط تحديد الاجراءات الخاصة بها.
  • تحديد الحصص التعريفية الخاصة بالمنتجات الحساسة
  • ضبط الجدول الزمني للتفكيك التدريجي للمعاليم الديوانية وتحديد الفترة الانتقالية لبعض المنتوجات التونسية و ضبط نسق الترفيع في الحصص التعريفية.
  •  تعديل نظام سعر الدخول للسوق الاوروبية.

اعتماد المعايير و المواصفات الاوروبية SPS

ينص مشروع الاتفاقية على اجبارية التقيد بالمعايير الاوربية في كل مراحل الانتاج الفلاحي ونوعية وجودة المنتوج ان كان في السوق الداخلية أوالسوق الأوربية ، عن طريق إستنساخ للمنظومة القانونية المعتمدة في دول الإتحاد الاوروبي والمتعلقة بالسلامة الحيوانية والنباتية وجودة المنتوجات الغذائية. كما يطرح على السلطات التونسية إتخاذ الإجراءات الضرورية قصد المطابقة التدريجية للتراتيب الفنية للاتحاد الأوروبي وإجراءات الاتحاد في مادة المواصفات وتقييم المطابقة ومراقبة السوق وتلتزم باحترام المبادئ والممارسات التي ضبطتها قرارات الاتحاد  (les directives Européenne)و يتم ذلك عبر إدماج مكتسبات الاتحاد الأوروبي ) التشريع والقواعد( ضمن التشريع التونسي، إجراء الإصلاحات الإدارية والمؤسساتية الضرورية لدخول هذا الاتفاق حيز النفاذ والنقل التدريجي لمجموع المواصفات الأوروبية كمواصفات وطنية مع الغاء كل المواصفات الوطنية المخالفة للمواصفات الأوروبية.

2-                 الاشكاليات المطروحة

خلافا لما يروج  له الاتحاد الاوروبي يطرح مشروع الاتفاق عدة اشكاليات من أهمها:

الفوارق الهامة في مستويات الانتاجية والمردودية

بمجرّد تحرير المبادلات الفلاحيّة، سوف توضع الفلاحة التونسية في منافسة مباشرة مع الفلاحة الاوروبية التي ستغزو منتوجاتها الأسواق التّونسيّة. حسب معطيات منظمة الامم المتحدة للزراعة و الاغذية (FAO)  فان متوسط انتاجية الفلاحة الاوروبية اعلى بسبع مرات من متوسط انتاجية الفلاحة التونسية و هو ما يجعل هذه الاخيرة موضوعيا غير قادرة على المنافسة كما ان هذه الفوارق في الانتاجية تتخذ طابعا هيكليا وتاريخيا و لا يمكن تجاوزها بمجرد "برنامج تأهيل" تقني. (هذا البرنامج اثبت فشله في قطاع الصناعة بعد اتفاق الشراكة 95.).

الفوائض الانتاجية الاوروبية في المواد الاساسية.

يتمتع الاتحاد الاوروبي بفوائض انتاجية هامة في المواد الفلاحية الاساسية (الحبوب, الحليب ، اللحوم، الزيوت النباتية.. 20 % في المتوسط) قد تؤدي الى انهيار الاسعار ودفع العديد من الفلاحين الاوروبيين الى التخلي عن الانتاج و هو ما يسعى الاتحاد الاوروبي الى تلافيه عبر تصريف هذه الفوائض في اسواق اخرى (من بينها تونس) بكلّ حريّة وبدون دفع رسوم جمركيّة.

المستويات المرتفعة للدعم الاوروبي للفلاحة

تحضي الفلاحة الاوروبية بدعم هائل بمقتضى السياسة الفلاحية المشتركة PAC التي تستحوذ على 40 % من ميزانية الاتحاد الاوروبي  وقد خصصت لهذه السياسة 362,8 مليار أورو  للفترة 2014- 2020  منها 278 مليار أورو (76 %) للتحويلات المباشرة ودعم السوق ( تأمين مدخول أدنى للفلاحين بقطع النظر عن مستويات انتاجهم ). لا يمكن لتونس ان تؤمن دعما للفلاحة في نفس مستوى الدعم الاوروبي وذلك اساسا لـضعف الامكانيات المالية كما ان جل برامج الدعم قد وقع الغاؤها او التقليص منها بمقتضى برنامج الاصلاح الهيكلي واتفاقية المنظمة العالمية للتجارة. من ناحية اخرى يرفض الاتحاد الاوروبي قطعيا اي تفاوض حول الدعم الذي يؤمنه لفلاحته.

المنتوجات الحساسة و القائمة السلبية

حسب المشروع المقترح يمكن تحديد قائمة للمنتوجات الحساسة (القائمة السلبية) كي تستثنى من دائرة التحرير الكلي وتخضع لإجراءات خاصة (حصص تعريفية) وهو اجراء يبدو في ظاهره ايجابيا . إلا ان تحديد هذه القائمة يخضع لمسار التفاوض بين "الطرفين" اي لموازين القوى وهو ما يعطي للاتحاد الاوروبي امكانية ان يحدد ما يراه "حساسا" بالنظر الى مقتضيات و حاجيات فلاحته و شركاته الغذائية. بالإضافة الى ان هذه القائمة ليست أبدية ذلك ان نفس المشروع يقترح تحديد الحصص التعريفية (التفاوض / موازين القوى) مع تحديد نسق ترفيعها تدريجيا. وهو ما يعني ان الاجراء ظرفي وان "المنتوجات الحساسة" ستصبح في نهاية الامر خاضعة لمبدأ  التبادل الحر.

المعايير و المواصفات الاوروبية  

اعتماد المعايير الاوروبية يسبب ارتفاع كلفة الانتاج  لما تفرضه من التزامات مادية اضافية على كافة حلقات الانتاج بتعلة "رقابة حسن الجودة  وتتبع مسارات الانتاج" (traçabilité). هذا بالإضافة الى ان التطابق مع المعايير الاوروبية يقتضي الاعتماد على مسارات تقنية معينة واستعمال نوعيات محددة من البذور والاسمدة  والاعلاف والاجناس الحيوانية ….  هذه المدخلات الضرورية للإنتاج تحتكرها الشركات الاوروبية  بمقتضى "الملكية الفكرية"  ولا يمكن استعمالها بدون تحمل كلفة اضافية.

بالإضافة الى غياب التأطير التقني وضعف امكانيات التمويل فان النسيج الفلاحي التونسي يرتكز اساسا على صغار و متوسطي الفلاحين (75 % من الفلاحين يستغلون اقل من 10 هكتار) وهو ما يجعل هؤلاء الفلاحين موضوعيا عاجزين عن تغطية تكاليف الانتاج باعتبار شروط التطابق مع المعايير الاوروبية و قد يدفعهم الى التخلي نهائيا عن النشاط الفلاحي.

3-   الانعكاسات و المخاطر المرتقبة.

تفقير و تهميش شرائح واسعة من الفلاحين و تدمير النشاطات الفلاحية الرئيسية

ان تحرير المبادلات الفلاحية و فتح السوق الداخلية امام المنتوجات الفلاحية الاوروبية يضع المنتجين التونسيين، و أغلبهم من الفلاحين الصغار و المتوسطين، في منافسة مباشرة  مع الفلاحين الاوروبيين والشركات الغذائية الاوروبية الكبرى. نظرا للفوارق الشاسعة في مستويات الانتاجية والدعم المرتفع الذي تحضى به الفلاحة الاوروبية فان الفلاحين التونسيين غير قادرين بالمرة على مواجهة هذه المنافسة. مثل هذا الوضع سيؤدي ضرورة الى تفقير شريحة واسعة من الفلاحين ودفعهم  الى الاندثار والتخلي عن النشاط الفلاحي (250 الف فلاح حسب تقديرات اتحاد الفلاحين مهددين بالاندثار). كما انه يهدد باندثار النشاطات الرئيسية ( الحبوب و تربية الماشية) التي ستجد نفسها في مواجهة الفوائض الانتاجية التي يسعى الاتحاد الاوروبي الى تصريفها.  من ناحية، فان تفكيك النشاط الفلاحي و تفقير الفلاحين سيدفع نحو توسيع دائرة الفقر و البطالة و التهميش في المناطق الفلاحية  و تضخيم النزوح نحو المدن و ما يصاحبه من مشاكل اقتصادية و احتماعية.

 

تعميق هيكلة الفلاحة التونسية ضمن المنوال الاستخراجي التصديري دون مراعاة الموارد الطبيعية والكلفة

الإيكولوجية والخصوصية الاجتماعية للقطاع

يبرر البعض أهمية هذا الاتفاق بالإمكانيات التي ستتاح لتصدير بعض المنتوجات الفلاحية نحو سوق اوروبي متكون من 500 مليون ساكن. الا ان هذه الرؤية تتجاهل ان ما يمكن ان نصدره  نحو الاتحاد الاوروبي يتمثل اساسا في بعض الخضر والغلال وهي منتوجات مستنزفة للموارد المائية المحدودة. اي ان هذا التمشي سيدفع نحو هيكلة النشاط الفلاحي في تونس بشكل يتعارض مع الموارد المتاحة و خاصة الموارد المائية .  هذا الى جانب انهاك الارض و التدمير التدريجي لخصوبتها عن طريق التكثيف المفرط  لانتاج ما تحتاجه الاسواق الاوروبية.

من ناحية اخرى، الدفع في اتجاه التصدير يتطلب موارد مالية هامة وتحكما في التقنيات الانتاجية وهو متاح فقط للمستغلات الكبرى. اي ان صغار و متوسطي الفلاحين (حوالي 80 % من المنتجين) سيكون مصيرهم التفقير و التهميش و الدفع نحو ترك النشاط الفلاحي

رهن القطاع الفلاحي بالأسواق الاوروبية و تحويله الى قطاع "مناولة"

ان اعتماد وتعميم المواصفات الاوروبية (في ضل تعدد المواصفات في العالم) يجعل من السوق الاوروبية المنفذ الوحيد للصادرات الاوروبية وهو ما يعني رهنا للإنتاج الفلاح الوطني لهذه السوق.  من ناحية اخرى ، كما أشرنا سابقا، يتطلب اعتماد هذه المواصفات استعمال تقنيات و مدخلات تتحكم في استعمالها الشركات الاوروبية بمقتضى اتفاق الملكية الفكرية وهو ما يمكنها من التحكم في منظومة الانتاج الفلاحي التونسي برمتها. مثل هذا التمشي يحرم الفلاحة التونسية من تنويع اسواقها الخارجية و يجعلها في موقف ضعف بحكم ارتهانها بسوق وحيد (السوق الاوروبية) كما يحول الفلاحين التونسيين الى مجرد مناولين لدى الشركات الاوروبية و عاجزين تماما عن التحكم في مسار الانتاج الفلاحي.

ضرب السيادة الغذائية وعودة الاستعمار الزراعي

ان تناول الانعكاسات المرتقبة لاتفاق الاليكا يحيلنا ضرورة الى تعارضه مع مبدأ الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية وخاصة الحق في الغذاء.  ذلك ان المشروع المقترح وما تضمنه من تحرير للمبادلات التجارية وفتح للسوق الوطنية امام المنتوجات الاوروبية سيدفع نحو توجيه النشاط الفلاحي نحو التصدير على حساب الانتاج المعيشي. من ناحية اخرى سيدفع تحرير المبادلات الى تدمير الانشطة المعيشية و تحديدا الحبوب و تربية الماشية. وهو ما يجعل غذاء التونسيين مرتهنا تماما بالأسواق و الشركات الغذائية الاوروبية.

في نفس السياق، ان اعتماد المعايير الاوروبية و الاجراءات المتعلقة بحماية الملكية الفكرية ستكرس ارتهان الفلاحة التونسية  بالسوق الاوروبية انتاجا وتسويقا و تعمق سيطرة الشركات الاوروبية على كامل حلقات الانتاج الفلاحي (بذور، اسمدة، تقنيات ...). و اذا ما أخذنا بعين الاعتبار مسألة  "التقارب التشريع "  الذي يفرض على تونس تبني كل القوانين و التشريعات الاوروبية المنظمة للأنشطة الاقتصادية فان الدولة ستصبح عاجزة تماما عن وضع سياسة فلاحية و غذائية مستقلة و مستجيبة لواقع القطاع الفلاحي و الحاجيات الغذائية للتونسيين. من هذا المنطلق فان المشروع المقترح لن يساهم إلا في تعميق واقع التبعية الغذائية كجزء من الهيمنة الاقتصادية الاوروبية على تونس.


الأكثر قراءة

مواطنة تقدم شهادة مفزعة عن مدة الانتظار في ديوانة مطار تونس قرطاج.. وعند وصولها للامارات تدخل عبر بوابة الكترونية فى ثواني وجيزة!
أشهر اسماء المرأة الامازيغية ومعانيها
رئيس الحكومة يقرر صرف الزيادة في الاجور لاعوان الوظيفة العمومية .
الاستاذ عفيف البوني يتحدّث عن المخطط "الأكبر" الذي يسعى لتحقيقه راشد الغنوشي من خلال عبد الفتاح مورو
ماهي الدول التي يمكن للتونسيين دخولها بدون تأشيرة ؟
وفاة التونسية "خولة زمزاري" مضيفة الطيران بالخطوط السعودية خلال حادث مرور أليم هي وزميلاتها
زوج مرام بن عزيزة يستولي منها ومن امرأة أخرى على 400 مليون ويختفي إلى وجهة غير معلومة.. خديجة الفهري تتحدث عن تفاصيل صادمة!
نداء تونس يهدد بسحب دعمه لعبد الكريم الزبيدي
الفة بن رمضان ومروان الخوري على ركح قرطاج: سهرة للنسيان ..
حكم تونسي سابق : تعرضت للتعنيف وعائلتي تخلّت عني بسبب المثلية الجنسية..وسنواصل كفاحنا من أجل الحقوق

رياضة

آخر أخبار الرياضة

فايس بوك