الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة الاعلامية مبروكة خذير تعلن انتهاء تجربتها في تلفزة تي في وتكشف الأسباب

نشر في  09 أفريل 2019  (22:49)

 

كتبت الزميلة الاعلامية مبروكة خذير تحديثة في صفحتها الفايسبوكية تعلن من خلالها عن انتهاء تجربتها بقناة تلفزة تي في، وعددت خذير الأسباب والمستجدات فيما يلي:

محنة الاعلام التلفزيوني في تونس

ثلاث أشهر ويتوقف في منتصف الطريق الأمل.
ثلاث أشهر فقط كانت تكفي لافهم جحيم معركة الاعلام التونسي الداخلي في بلدي، انا التي عملت لأكثر من عشر سنوات مع وسائل اعلام اجنبية.
ثلاث أشهر من برنامج "في الموعد" ويتوقف الأمل وينقطع النفس عن هذا المولود الجديد ليموت متسمما من رداءة الواقع الإعلامي التلفزيوني.
يموت الاعلام التلفزيوني الهادف الجاد مثل ما نهش السم منذ ايّام أجساد اطفال رضع ثم ضاعت الحقيقة وراء قتلهم.

برنامج "في الموعد " ينقطع عن البث و غيره من كل برامج تلفزة تي في: في الموعد مع مبروكة خذير، التقرير للصديق صابر الميساوي ،اليوم للزميل وصفي بصيلة ، قضية راي عام للزميل وليد الزريبي و برنامج في الصميم لصاحب القناة زهير لطيف ...
تتوقف كل البرامج على قناة تلفزة تي في وينتهي حلم بدأناه منذ أشهر قليلة والسبب غياب دعم برامج ذات محتوى يحلل ويفسر وينقد و يستقصي.
السبب مستشهرون يطلبون مواد تبث وتحظى بنِسَب مشاهدة مرتفعة، المستشهرون يقولون لك: هذه برامج نشكركم على محتواها ونثني على عمق الخطاب فيها ولكنها لا تستميل عدد المتابعين على صفحات التواصل الاجتماعي لقلة امكانيات الإشهار.
اليوم يؤلمني ان اسوق لحضراتكم خبر توقف برنامج في الموعد وغيره من برامج قناة تلفزة تي في.
خبر مؤسف نزداد به قناعة ان المكان فسيح فقط للخطاب التسطيحي وان الدعم من نصيب من يملك النسب الأكثر من برامج التسلية او من يضع نفسه فقط تحت إمرة الأحزاب والتوجهات الأيديولوجية التي تسيطر على دواليب المال والسلطة في تونس.

امضيت حوالي اثنا عشر سنة في العمل مراسلة ومنتجة ومخرجة لأعمال تروج كلها خارج ارض الوطن فيستفيد منها كبريات المؤسسات الإعلامية.
دربت جل الصحافيين الشبان من شمال البلاد التونسية لجنوبها، درست طلبة في معهد الصحافة وكنت أتمنى لهم دائما مستقبلا أفضل لمشهد إعلامي يزداد سوءا يوما بعد اخر.
حرصت دوما ان لا أبدو الا متفائلة امام صحافيين شبانا مازالوا يتحسسون طريقهم وسط اوحال مهنة تغلق ابواب مؤسساتها الإعلامية يوما بعد اخر لتفتح دكاكين تبيع وهما.
دربت مع كبريات أكاديميات التدريب العالمية التي أعجز عن حصرها ولكني اذكر منها أكاديمية دي دبليو وبرنامج الاتحاد الاوروبي لدعم وسائل الاعلام في تونس PAMT والتعاون الفني الألماني GIZو المركز الأفريقي لتدريب الصحافيين و الاتصالين CAPJC ... و غيرها من مؤسسات تدريبية كثيرة لم تجعل من التلفزيون أولويتها في الدعم و التدريب و خلق منوال اقتصادي Business Model قادر على كسب الرهان.
لم تستثمر هذه المؤسسات كثيرا في مجال الاعلام التلفزيوني وكان هناك محاولات للتدريب داخل التلفزة الوطنية و الاعلام العمومي السمعي البصري غير ان التجربة كانت فاشلة فكان التوجه نحو الاستثمار في بقية مجالات الاعلام الأخرى من مكتوب و إذاعي و الكتروني ...
لم تنتبه اكاديميات التدريب حتما لما تنطوي عليه التلفزات في تونس من قيمة كبيرة في توجيه الراي العام التونسي سيما و الاحصائيات تفيد بان 98 بالمائة من التونسيين يشاهدون التلفزيون و يملكون شاشة في منازلهم .

التلفزيون الذي يؤثر اليوم في الرأي العام التونسي بنسب مشاهدة عالية. التلفزيون الذي يتكالب عن كسب وده كل السياسيين في تونس.
المحطات التلفزية التي نعرف اليوم تكاد تكون كل واحدة منها تابعة لرجل اعمال او لحزب سياسي او لجهة ما، التلفزات المملوكة سياسيا او ماديا هي وحدها القادرة على الصمود.
اما اذا كنت صحافيا مستقلا لا تتبع احدا سوى هذا الوطن فأنت من المنسيين المفقرين المسلوبين من كل دعم لمواصلة العمل و الانتاج الذي يتكلف كثيرا في مجال التلفزيون .
منذ سنوات بح صوتي و انا احاول إقناع كل المنظمات الدولية التي دربت صلبها اننا نحتاج ان نستثمر في مجال السمعي البصري و ان مشاريع تلفزيونية تحتاج الكثير من الدفع و يمكن ان تغير واقع المشهد الإعلامي ..
ذهبت نداءاتي سدى لأجد نفسي اليوم مع زملائي الصحافيين من تلفزة تي في مضطرين لان ننسحب من المشهد و معنا الكثير من التقنيين الذي وقع التخلي عنهم لعدم القدرة على مواصلة الإنتاج ها نحن ننسحب لنترك مكاننا لآخرين.
نحن ننسحب لنترك مكاننا اما: لهؤلاء الذين لا يمتون لهذا القطاع بصلة او لآخرين يتزاحمون لترسيخ خطاب رديء باهت لا معلومة فيه ولا تحليل ولا تفسير ولا نقد و لا استقصاء و لا كشف للحقيقة.

وبعيدا عن السودانية المطلقة، و حتى أكون امينة ففي مشهدنا السمعي البصري اليوم بعض من صحافيين اكفاء اجلاء احترمهم و متأكدة كونهم سيواصلون العمل بحرفية و مسؤولية. نعم ثمة اليوم اقلية من اعلاميين في تلفزاتنا ، هؤلاء فقط سأبقى ادعمهم لأني ارى فيهم الخلاص من هذا المشهد الإعلامي التلفزيوني المقرف .

ها نحن ننسحب لفترة ونترك لغيرنا من الماريونات مكانا للتهريج وسط معركة انتخابات بدأت حملاتها تدار مسبقا بتقسيم كعكة المحطات التلفزية.
ها نحن نغادر فضاء الاستوديو لأننا عجزنا عن جلب الدعم لبرامجنا التي لا تستهوي الطامعين في الكراسي الناهبين للذمم.
لم ينفعني كل ذلك العراك اليومي مع كل النقص التقني لأقدم منتوجا نافعا، لم يشفع لي تلك المواضيع التي غصت في ثناياها طمعا في انارة الرأي العام و كشف المستور.
لم يشفع لي يا سادتي تلك العربية الصحيحة التي اقدم بها و التي أعجبت الكثير منكم بها.
انسحب و لا يشفع لي عند المسشهرين ذلك الخطاب الرصين الهادىء عميق النقد و الانتقاد فالمستشهرون يصبون أموالهم عند من يصنع لهم البوز بالصياح و النباح و الوجوه الممتلئة بالبوتوكس خاوية العقول و البديهة .لا يهم المستشهرين عدد المعلومات التي يقدمها الواقفون امام الكاميرا بل ما يهمهم عدد المعجبين في وسائل التواصل الاجتماعي ممن يبحثون عن شكل تلك الغانية الجميلة لو ازاحت عنها مساحيق وجهها .
ها انا أنسحب في استراحة محارب سيواصل حربه ميدانيا في وسائل اعلام دولية تعرف تقييم الاعمال و تعول على الجودة بدل تركيزها على مهرجين.
ها نحن ننسحب و الأمل يظل معلقا على زملائي الصحافيين المحترفين المتحلين بآداب و اخلاقيات المهنة ممن سيواصلون العمل بحرفية و مسؤولية.
ها نحن ننسحب من تقديم برنامج "في الموعد" لنترك المجال واسعا لمن يفخرون بانهم منظرون لتلفزيون الزبالة Télé Poubelle فلهم كل المستشهرين و لديهم اخر صيحات الكاميرات و اخر تجهيزات الصوت و لهم ألاف الأمتار المربعة من الاستوديوهات و لهم اخر تقليعات الماكياج و اللباس و لهم بدل الصحافي عشرة و بدل المنتج العشرات و لهم بدل سيارة جلب الضيوف العشرات و لهم غرفة الماكياج و لهم Confort Plateau و لهم رجال الاعمال يوفرون لهم كل ما يحتاجونه.
ولهم ايضا ان اغلقت عليهم الهياة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري الباب لخروقات تمس من اخلاق المهنة ان يفتحوا في اليوم الموالي دكان برنامج جديد تحت مسمى جديد و تتواصل رحلة الرداءة.
اما انا وبقيد زملائي فننسحب فلا شيء يتوفر لنا من كل هذا ولا من مستشهر يستطيع تمويل برامج تبحث في جودة المحتوى بدل بحثها عن ثقافة البوز و سياسة التركيع و السفسطة الفارغة التافهة.

ثلاث أشهر كنّا فيها في فريق برنامج في الموعد ننحت في الصخر نواجه نقص المعدات نحارب التفاهة ننزل الى الميدان لننتج مادة إعلامية فيها قصص صورية محبوكة بطريقة عمل عالمية فيها السرد القصصي وفيها تحقيقات استقصائية عميقة و فيها الرأي و الرأي الاخر.
يتصل بك بعضهم و يتواصل معك اخر ليقول لك: "اني اشعر و انا اتفرج على برنامج في الموعد اني اتابع قنوات عالمية ذات جودة "
يقول لك البعض الاخر هذا البرنامج كثير على قنواتنا التي عودتنا بأسلوب مختلف ...
تتهاطل علينا رسائلكم تثلج الصدر لتشكر الفصاحة في اللغة والعمق في التحليل والبحث المعمق في القضايا المطروحة.
انا فعلا اسفة لكل من رأى في برنامج "في الموعد" نقطة ضوء مضيئة وتواصل من اجل ان نكون له منبرا ...اسفة لطلبتي الذين وعدتهم بان يكون البرنامج فسحة للتدريب والتعلم ...اسفة لزملائي الذين ساعدوني بكلمات تشجيع لن تزيدني الا صلابة وإصرارا على التقدم والمضي في محاولة الصمود ...
انا لا اسف لنفسي فلي في هذا المجال ألف باب للعمل مفتوح على مصراعيه، اسفة فقط لمشاهدينا الذي بدأوا يتلذذون كل اسوع بتحليل دقيق لبعض القضايا. اسفة لكل طلبتي والمتدربين الذين وعدتهم ان تكون أبواب البرنامج مفتوحة لهم للاطلاع والتدريب.
اظن ان الوقت قد حان لتغيير المنوال الاقتصادي الذي تعيش منه القنوات وان المستشهرين اليوم لن يملا عيونهم عمق المحتوى بل يريدون فعلا ملا جيوبهم من تبعات البوز الإعلامي المقيت.
انتهت التجربة ولنا لقاء في تجارب أخرى ولنا في الاعلام الدولي عزاء ففيه فسحة للإبداع.
توقفت التجربة ففي بلادي البقاء للأعلى صوتا، الاغنى جيبا، الأكثر قدرة على الفعل السياسي ...
انتهت التجربة أيها المواطن القابع امام التلفزيون مزبهلا امام فضائح البشر التي تنظر للخراب.. انتهت التجربة أيها الشعب الكريم المخدر بمسلسلات تركية دخيلة تدفع من اجل اقتنائها الاف مؤلفة من ملايين الدينارات ...
انتهت التجربة أيها الشعب الكريم المقاطع للتلفزيون التونسي القابع امام تلفزات العالم الأخرى...
انتهت التجربة أيها الرديؤون فهنيئا لكم لان رداءتكم أكثر صمودا وقوة وصلابة رغم نتونتها ...
انتهت التجربة ولا من عزاء سوى من بقيوا ليواصلوا المسيرة للسباحة ضد تيار الرداءة ...
انتهت التجربة ولكن لنا عودة سنكون في الموعد" القادم اقوى وأجدى.