الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية اتحاد المغرب العربي الحلم الذي لم يتحقق بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر

نشر في  08 ديسمبر 2018  (09:50)

بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر

حلم توحد شعوب المغرب العربي قديم بل كان الشعار الأكبر الذي رفعته حركات التحرر في كل من تونس و الجزائر و المغرب و قد اوصى مؤتمر طنجة في افريل 1958 بضرورة تكريس ذاك الحلم و كان مؤتمر مراكش وإمضاء معاهدة 17 فيفري 1989 المؤسسة لـ "اتحاد المغرب العربي" بين البلدان الخمس : المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريطانيا وقد نص ّ الفصلان الثاني والثالث من هذه المعاهدة على أنّ المشروع يهدف إلى التحقيق التدريجي لحريّة تنقل الأشخاص والسّلع والخدمات ورؤوس الأموال والعمل على تطوير قطاعات الفلاحة والصناعة والتجارة باتخاذ الإجراءات المواتية منها خاصة بعث المشاريع المشتركة ووضع البرامج الشاملة لمختلف القطاعات وتم اثر ذلك بعث هياكل الإشراف على المولود الجديد من الأمانة العامة (الرّباط) والمجلس الاستشاري (الجزائر العاصمة) والهيئة القضائية (نواكشوط).
لكن هل حقّق اتحاد المغرب العربي أهدافه؟ يجمع الدارسون لهذه التجربة على محدودية نتائجه إنّ لـم يحكموا عليه "بالفشل" وحتـى "بالشلل" وشبّهـه أحـد مؤسسيه بـ "المركب فـوق سنّادات" « un bateau sur cales » أي الواقف، وهو يكلّف كل دولة عضوة سنويّا 370 ألف دولار دون فائدة تذكر. ماهي أوجه تعطّل هذا المشروع الوحدوي وأين تكمن عوامل فشله؟

I– "تعطّل" اتحاد المغرب العربي : التشخيص والأسباب .
من مظاهر هذه العطالة في اتحاد المغرب العربي ما شهد به أحد المسؤولين الأوائل في مغامرة المغرب العربي منذ الستينات الأستاذ والنقابي المعروف مصطفى الفيلالي حيث يذكر في حوار معه على منبر مؤسسة التميمي (24/12/2005) حول "كلفة اللاّمغرب" انه ما بين جويلية 1990 و1995 تمّ إمضاء 34 اتفاقية تعاون بين البلدان المغاربية جلّها بقيت تقريبا حبرا على ورق وهي : خمس اتفاقيات أْمضيت في الجزائر حول تبادل المنتوجات الفلاحية والحجر الصناعي وتشجيع ضمان الاستثمار والتعاون الضريبي والنقل البرّي للمسافرين والبضائع وتسع اتفاقيات في رأس الأنوف في ليبيا (1991) حول إنشاء مصرف للإستثمار والتجارة الخارجية واتفاقية تجارية وتعريفية والضمان الاجتماعي والتعاون في المجال البحري والبريد والتعاون القضائي الموحد والتعاون الثقافي وإحداث جائزة الإبداع الثقافي وصنع واستيراد الأدوية البيطريّة و 11 اتفاقية في تونس (1994) تضمنت: الإعلان عن قيام منطقة التبادل الحرّ، برتوكول خاص بشهادة المنشأ، بعث لجنة مغاربية للتّأمين وإعادة التامين ، الإنتاج السينمائي المشترك والوقاية من المخالفات الجمركية وردعها وإنشاء المجلس المغاربي لدور الكتب الوطنية . جلّ هذه الاتفاقيات إمّا أنها بقيت عالقة أو لم تعرف الانجاز إلاّ جزئيا.
وفي الحقيقة فانّ أوجه التعاون بين البلدان المغاربية تختلف بين بلد وآخر وأنّه عامّة إنّ تطوّرت نسبة التبادل التجاري بين البلدان المغاربية وارتفعت من 1 % تقريبا في بداية الاستقلالات إلى ما يعادل 3% تقريبا حاليا من مجموع قيمة المبادلات الخارجية فهي تبقى هامشيّة إذ لا زالت الدّول المغاربية تدير ظهرها لبعضها وتتمّ مبادلاتها أساسا مع بلدان الإتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة في إعادة إنتاج العلاقات الكولونيالية السّابقة.
وكذا في حركة رؤوس الأموال وبعث الشركات والمؤسّسات المشتركة فهي ضعيفة أو رمزية كإنشاء معمل الإسمنت على الحدود التونسية الجزائرية. وإنّ بشّرت اتفاقية مرّاكش بحريّة التنقل بين البلدان المغاربية الخمس فانّ، نسق التّنقّل لا زال ضعيفا هذا إذا استثنينا الحركة بين تونس وجارتيها في الاتجاهين (سياحة،تجارة،تطبّب) بينما الحدود البرّية فهي مغلقة منذ 1994 بين المغرب والجزائر.
هذه العطالة في حركيّة الاندماج والتكامل بين البلدان المغاربيّة وهذا الشلل في مؤسّسات "اتحاد المغرب العربي" له كلفة غالية. وفي ندوات ولقاءات عديدة من اسبانيا (2006) إلى تونس بيّن المختصّون والخبراء أنّ خسارة الدول المغاربية كبيرة لعدم اندماجها وتوحّدها ويتّفقون على أنّ " تكلفة اللاّمغرب " تسبّب لهذه الدّول خسارة تقدّر بـ 2 إلى 3 % من مجموع دخلها القومي سنويّا ورغم ثروات هذه البلدان المغاربية (طاقيّة ومنجميّة وفلاحيّة وبشريّة) فانّ مكانتها العالميّة تبقى هامشية وبالمقارنة مثلا مع اسبانيا لوحدها التي لا تمسح إلاّ 505 ألف كلم2 ولا تعدّ إلاّ 45 مليون نسمة تبدو بلدان المغرب مجتمعة في مكانة هزيلة إذ بمساحة جمليّة تفوق 5.5 مليون كلم2 وبحجم سكاني يفوق 80 مليون ساكن يقدر دخل هذه البلدان مجتمعة سنة 2005 بما حاصلة : 527.7 مليار دولار بينما الدّخل القومي الخام لإسبانيا هو 1029 مليار دولار أي ضعف دخل بلدان المغرب الخمس! .
هذا إضافة للكلفة الاجتماعية التي من أبرز مظاهرها انتشار البطالة التي تمس 25 % تقريبا من القوى العاملة وتهميش فئات عريضة من المجتمع وتفاقم الإختلالات الاجتماعية والجهوية واحتداد مؤشرات التخلّف الاجتماعي والثقافي وإن اختلفت من بلد إلى آخر (الفقر، الأمية، النزوح،البطالة، الهجرة السّرية، الإجرام...) ...وهي شواهد على اقتصاديات هشّة وتابعة تزداد صعوباتها ومشاكلها مع ضغوطات الاقتصاد المُعولم وتدخّلات واملاءات المؤسّسات البنكية العالمية وخاصة صندوق النقد الدّولي وسياسات إعادة الهيكلة والخوْصَصة وانسحاب الدّولة ورفع يدها عن عديد الخدمات الاجتماعية. 
لكن هذا الضعف الاقتصادي وهذه التبعيّة المركّبة لبلدان المغرب (تبعيّة تقنيّة وعلميّة، مالية ، غذائية، سياسية...) وهذا الفشل في تحقيق حلم "الوحدة المغاربيّة " وفي ترجمة النوايا والاتفاقيات إلى واقع وممارسات لا يمكن إرجاعه إلى سبب واحد ولا نقدر- كما يرى البعض- تفاديه بحلّ سحري يسمّى "المغرب العربي الموحّد" ونحن إذ لا نشارك رأي بورقيبة في ستينات القرن الماضي لإفحام الخطاب القومي العربي المدّعي آنذاك أنّ "الوحدة هي الحل" بمجابهتهم بالقول أنّ "جمع الأصفار يبقى دائما صفر"نرى أنّ الواقع أعقد من ذلك وإنّ تغييرا فعليّا يتوجب تثويرا للهياكل والعقليات ونعود لهذا الرأي في العنصر القادم .

ولعلّ عدم تطوّر قوى الإنتاج بالبلدان المغاربيّة وبقاء الاقتصاد فيها ريعيّا أساسا اعتمادا على تصدير الطاقة أو المواد الفلاحية أو تقديم الخدمات السياحية وضعف القطاع الصناعي وعدم تنوّعه يفسّر بدرجة أولى عدم تكامل واندماج اقتصاديات متشابهة هي في حاجة للإستثمار والأسواق الخارجية قبل التعامل في ما بينها. غير أنّه في رأينا هذا لا يُعفى الأنظمة السياسية التي تحكم البلاد المغاربية منذ الاستقلال من مسؤولية فشل تجسيد ما التزمت به هي ذاتها في مؤتمر طنجة أو مراكش مثلا.

صحيح أنّ مشاكل الحدود الموروثة على الاستعمار والأنانيات القطريّة عقّدت الأمور بين البلدان المغاربيّة إلى حدّ اندلاع الحروب بينها (حرب الرّمال مثلا بين الجزائر والمغرب سنة 1963) ومشاكل الحدود والنقطة 233 بين تونس والجزائر غير أنّه عندما وقعت تسوية الخلافات الحدودية سنة 1970 بين الجزائر و جارتيها ظهرت معضلة أخرى لا زالت قائمة وهي مشكلة الصحراء الغربية ومنذ 1976 ، أي أكثر من ثلاثين سنة وهذه القضيّة لا زالت بدون حل حتى أن عديد الباحثين يرون فيها " العقبة الكأداء والمعرقل الرئيسي لوحدة المغرب العربي" إذ تغيّر العالم غربا وشرقا وتفتّت دول وتكونت أخرى ولا زالت قضيّة الصّحراء تراوح مكانها وتستنزف طاقات البلدين "الشقيقين" حيث "أنّ نزاع الصّحراء (هذا) يكلّف المغرب (مثلا) ما نسبته 1 % من إنتاجه القومي الخام فيما يكلّف التوتر مع الجزائر وإغلاق الحدود ما نسبته 2 % " .
ولعلّ إصرار مسؤولي الجزائر والمغرب على عدم نسيان ضغائن الماضي (حرب1963) وعجزهم على تغليب مصالح شعوبهما وشعوب المغرب وخروجهم من الريبة المتبادلة من عوامل دوام هذا المأزق ولعلّه أيضا كما يرى عديد الخبراء السياسيين أنّ في ديمومة الصّراع على الصّحراء خدمة لنظامي الرّباط والجزائر. ولعلّ تقرير اللجنة الأوروبية السابق الذكر لا يبالغ القول بأنّ في استمرارية "مشكل الصحراء" فائدة للجزائر وللمغرب للتغطية على سياسات حكومتيهما و التعمية على استشراء الفساد .
وتدخل عملية غلق الحدود بين الجزائر والمغرب منذ 1994 ،اثر عمليّة التفجير التي جدّت بمرّاكش، في نفس المنطق ودون التفصيل في تبعات ذلك فإن تأثير الغلق هو خسارة بالمنطق الاقتصادي والسياسي والإنساني وفي الحدود الأخرى بين تونس وليبيا وقع الأمر ذاته وأغلقت الحدود وطرد العمّال من ليبيا مرّات خاصة بعد أحداث قفصة (1980) هذا التعنّت وربّما السّياسات غير المدروسة نجدها تقريبا ملازمة لممارسات حكّام المغرب العربي منذ الاستقلال حيث تتخذ قرارات وتُجمّد وتُقطع علاقات وتُربط وتُمضى وحْدات وتُحلّ بـ "تخميرة" أحد القادة أو "نزوة "حاكم، دون استشارة الشعوب ودون تقييم أو نقد ذاتي ودون محاسبة أو مساءلة .

فها هو الرئيس الراحل هواري بومدين يقترح على بورﭬيبة في لقاء الكاف (11 -12 ماي 1973) وحدة الجزائر مع تونس فيقبل بورقيبة "على شرط أنّ تتخلى الجزائر على منطقة عنابة لتونس" فيرفض الرئيس الجزائري، وها هو بورقيبة مرّة أخرى وفي سرّية مطلقة يمضي مع العقيد القذافي في جربة (جانفي 1974) وحدة بين ليبيا وتونس وهي كذلك وحدة وُلدت ميّتة. 
أمّا الرّاحل العقيد القذافي فهو في بحر ثلاثين سنة أقدم على إمضاء أكثر من 13 مشروع وحدة شرقا وغربا مع دول عربية ودونها (مع مالطة مثلا) وكان آخرها إنشاء الإتحاد الإفريقي – العربي بـ 52 دولة دون نتيجة تذكر الاّ إهدار الطاقات وكان لتوتر العلاقات هذه بين البلدان المغاربية والحملات الصّحفية والإعلامية التي تصحبها للتشهير بالطرف الآخر الأثر السّيئ على بناء الوجدان المغاربي الواحد وخلق روح التوحّد والتّلاقي والصّفح عن الأخطاء والتطلّع إلى المستقبل واعتبار المصلحة العامة للبلدان والشعوب وهنا نصل إلى عامل آخر ساهم في تقديرنا في دوام حالة الانقسام وعدم الاندماج بين مكوّنات المغرب الكبير على الأقل الرّقي به إلى الأفضل وهو ضعف "التدخل" التاريخي للمجتمع المدني في المغرب العربي في صنع الأحداث.
السؤال المنطقي : لماذا لم تفرض شعوب المغرب على حكومتها سياسات بديلة توحّد المغرب مثلا وتنتهج اختيارات اقتصادية واجتماعية وثقافية مغايرة ترتقي بالاقتصاد وتضمن كرامة الإنسان في وطنه وفي العالم؟ كثير من الدّارسين يسارعون للإجابة بالتحجّج باستبداد الحكّام وضيق مساحات التّعبير السانحة للشعوب وفي ذلك في رأينا جانب من الحقيقة فقط فالواقع التاريخي في ظنّنا أعقد من أن نحّمل مسؤولية حالة الضعف والتخلّف المركّب للحكّام وحدهم إذ هم صورة لشعوبهم فلو كانت الشعوب أنضج تاريخيّا لأفرزت أصنافا آخرين من الحكام ولعلّ مسؤولية المجتمع المدني في هذا الواقع تتخصّص أكثر على مثقفيه الذين من المفروض أن يتماهوا مع مصالح شعوبهم ويبلوروا المشاريع والبرامج البديلة ويقودوا قوى التغيير فإنهم عكس ذلك وفي غالبيتهم قد دُجّنو أو تدجّنوا وتحوّلوا إلى متمعّشين ينشدون المصلحة والسلامة ولعلّ الأستاذ الحبيب الجنحاني لا يبالغ عندما يتحدّث على صنف منهم قائلا : " أنّ هؤلاء المثقفين أصبحوا يدورون في فلك سلطان جائر وتحولوا إلى خبراء في إضفاء الشرعية على سلطة غير شرعية ،مع الملاحظ أنهم لا يشاركون في صنع القرار السياسي أو حتى الثقافي بل يقتصر دورهم على التبرير والدّعاية وملء الفراغ الذي يتركه المثقفون المعادون لهذا النوع من السلطة أو اللاّئذون بالصمت والدخول في دور الكتمان حسب تعبير إحدى فرق الخوارج" .لكن أيضا لكل أمة مثقفيها فهم صورة لها وهي صورة لهم.
لكن هل وصلنا في المغرب إلى وضع ميؤوس ؟ لا نظنّ ذلك فالأمل لا زال قائما.
II – المغرب الموحّد في مصلحة من ومن يحقّقه.
لعلّ السؤال البديهي الذي يتوجّب طرحه هنا، قبل الإجابة على التساؤل التقديمي هذا ، هل هناك وعي لدى أهل المغرب الكبير بأن مصلحتهم التاريخيّة في توحّد بلدانهم؟ ومهما كان مستوى التوحّد وكيف ما كانت صيغه؟ رأينا في مسار هذه الورقة والى حدّ الآن أنّ حكومات البلدان المغاربية وقبل وحتى أن يتخلّص كامل المغرب من الاستعمار قد أبدت رغبتها في التوحّد وصاغت حتى تصّورات لذلك وأمضت اتفاقات لانجازها، لكنّها فشلت في الأخير في تحقيق الحلم أمّا لعجزها أو لغرقها في تصريف مشاكلها الداخليّة من تصفية التركة الاستعمارية إلى مجابهة أعباء التنمية أو توحّلت في ما أوقعتها فيها سياساتها من اختلالات اجتماعية واقتصاديّة وما انجرّ عنها من بروز أخطار كثيرة كادت تعصف بوحدة ترابها وتهدّد أمنها،آخرها استشراء التطرّف الديني الذي أوقع الجزائر مثلا في " حرب أهلية" أو ما شابهها طيلة التسعينات من القرن الماضي ويهدّد حاليا المنطقة بأسرها.
لكننا إنّ أقررنا بأنّ الطبقات السياسية التي آل إليها حكم بلدان المغرب حتى الآن كانت ترغب في بناء مغرب موحّد ومندمج فإننا نظنّ إنّ قوى أخرى فاعلة من ضمنها كانت لا عصبية لها إلا عصبيّة الوطن الضيّق وهي انعزاليّة في حدودها لكنها كانت تجاري الرأي العام في بلدانها، فهي كانت مشدودة للغرب أساسا (فرنسا) أو مشدودة للماضي التّليد تريد إحياءه بأدوات الماضي وبعقلياته .ومهما كانت درجة صدقها في تبني المشروع المغاربي من عدمه فالنتيجة بائنة وخيبتها لا جدال فيها. يبقى أنّ نتساءل عن رأي شعوب المغرب في هذا المشروع التوحيدي .
هل يجدر بنا أن نتعسّف على 40 مليون بالغ مغاربي لمنحه رأيا مؤيّدا أو معارضا لفكرة المغرب العربي الموحّد؟ والحال أنّه لم يَستشِر الحكام يوما شعوبهم لا عند عقد اتفاقات "الوحدات" ولا عند حلّها ولم تُعرض مثلا مواثيق مؤتمر مراكش على الاستفتاء أو موافقة "البرلمانات المنتخبة ديمقراطيا" كما فعلت البلدان الأوروبية مع مشروع دستورها سنتي 2005 و2006. لكننا لدينا من المؤشرات التي تسوّل لنا القول أنّ غالبيّة شعوب المغرب ترغب فعلا في توحّد بلدانها .

ولنا في الاستقصاء الذي قام به خبراء دوليّون في الجزائر في شهري جويلية وأوت 2006 ما يؤكّد ذلك إذ يمكن سحب رأي الجزائريين في قضية الاندماج المغاربي على بقيّة شعوب المنطقة .و يبيّن هذا السّبر أن هناك إجماع بين الجزائريين على ضرورة أنّ تتوحد منطقة المغرب العربي وأنّ 64 % منهم يعرفّون هوّياتهم بأنّهم "مغاربيّون" على اعتزازهم بأنهم " جزائريّون مسلمون" وإنّ عند الغالبيّة يُعتبر "المغرب الموحّد" خشبة النجاة من الواقع المتردّي .
ورغم تلك النعرات الشوفينيّة التي تحرّك بعضا من الرأي العام في هذا البلد أو ذاك عند حدوث التّوتّرات السياسية وضجيج الإعلام التابع أو حتى عند إجراء مقابلات كرة القدم فالظّن عندنا أنّ شعوب المغرب تؤمن في عمقها بانتمائها الواحد الإسلامي والعربي أو الأمازيغي وتدرك أنها جزء من كل يسمى المغرب الكبير وأملها صادق في تحقيق اندماجه .
أين المشكل إذن؟ إذا كانت الحكومات لا تمانع في اندماج المغرب الكبير وشعوبها راغبة في ذلك أيضا؟ وأين المانع خاصّة وأنّ الدول الأوروبية هي ذاتها راغبة وتطالب أن تتعامل مع "مغرب موحّد" وكذا الشّأن مع الولايات المتحدة، صحيح إنّ ذاك من طرف القوى الأوروبية أو الولايات المتحّدة هو لضمان مصالحها الإقتصادية ولضمان أمنها ضد "موجة الإرهاب" ولإيقاف موجات الهجرات السرّية التي أضحت تهدّد أمنها وتوازناتها الاجتماعية وتأمل في تثبيت مصادر الخطر في مجالها الأصلي إن لم تنجح في التعاون على القضاء عليه أصلا.
يجمع الدّارسون لقضايا التنمية في المغرب وفي العالم العربي إن كنوا من العرب أو من غيرهم أنّ مكمن الدّاء والعقبة الكأداء هي في الأنظمة التسلّطيّة التي تحكم جلّ الدّول العربية وغياب الديمقراطية أو ضعفها في تلك البلدان ويعفينا هنا القول ما توصل إليه "تقرير التنمية الإنسانية العربية" الذي أنجز تحت برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والذي يعطي في نسخته لعام 2004 الميزات التالية للحكم في الدّول العربية:
- " إنّ الدول العربية المعاصرة لا تترك مجالا خارج إطار تدخلها حيث تصر على أنّ تهيمن على كل شيء من المعتقد الديني الشخصي إلى العلاقات الدّولية ولا تترك حيّزا كافيا لمبادرات تأتي من خارجها أو بدون مباركتها" ويضيف التقرير أنّ:
- " السبب الرئيسي لإخفاق عملية التحوّل الديمقراطي لا يرجع إلى مسائل ثقافية بقدر ماهو تعبير عن تضافر بنى اجتماعية وسياسية وثقافية عملت على غياب أو تغييب القوى الاجتماعية والسياسية المنظمة القادرة على استغلال أزمة النظم التسلّطية والشمولية" .
"فالحكم الرّشيد" كما تنادي به منظمة الأمم المتحدة وتمكين "المجتمع المدني" في بلاد المغرب من أخذ مصيره بيده هو الكفيل في رأينا بالخروج من الواقع الرّاهن وبعث فضاء مغاربي حرّ يضمن الكرامة لسكانه ويضمن للأقليات الإثنية أو اللّغوية حقها في التمثيل وفي الوجود ويحقّق الاكتفاء لأهله من الغذاء إلى الثقافة ويدرج البلدان على نهج الحداثة وحرية الإنسان امرأة ورجل، مغرب معتز بهويته العربية- الأمازيغية- الإسلامية دون أن يكون عبدا للماضي، متفتح وآخذ بناصية العلم والعقل، مغرب منفتح الحدود يحكمه مُنتخبون يُساؤلون فيخضعون خال من العصبيات والعصابات تحكمه دولة القانون وحقوق الإنسان ويعيش مع جيرانه ويتعايش بمنطق السّلم والتعاون مع الكلّ.

خاتمـــة: 
ستون سنة مرت على مؤتمر طنجة و 29 سنة على بعث "اتحاد المغرب العربي" ولا ندري كم سنة أخرى سوف تدوم حالة التجزء في مغربنا هذا وتسود الوطنيات الضّيقة ونضحّي بمصالح الأجيال الحاضرة والقادمة ولعلّ عودة الوعي لحكّامنا ويقظة شعوب مغربنا تعدّل وجهة التاريخ وتضع المغرب في الاتجاه الصّحيح ويحيي الأمل من جديد .