الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة في حضرة الجزيري: حضر التجديد وغابت روح الحضرة و"تخميرتها"

نشر في  12 أوت 2018  (21:58)

من منا لم يتمايل أو "يتخمر" وهو يستمع الى كلمات من قبيل "هيا نزوروا شيخنا يا فقرا " و"سيدي رايس الأبحار يا رفيقي على الله يا باجي" و"سيدي منصور" وغيرها من الكلمات التي تتغنى بأولياء تونس الصالحين من عائشة المنوبية الى أم الزين الجمالية وسيدي محرز وبو سعيد الباجي وبو الحسن الشاذلي وغيرهم، موسيقى روحانية تهز الأجساد حدّ الانتشاء وتسمو بالروح الى الأعالي من خلال بساطة الكلمات وتناغم الألحان.

ومن العروض التي استلهمت فحواها من التراث الروحي والأناشيد الصوفية نذكر عرض "الحضرة"، الذي رأى النور بداية التسعينات وتحديدا سنة 1993، عرض فرجوي أنجزه موسيقيا آنذاك سمير العقربي واخرجه مسرحيا الفاضل الجزيري، امتزجت فيه "خرجات" الطرق الصوفية وأناشيد وأذكار ومدح الصالحين ، بالاعتماد أساسا على ألات الايقاع مع حضور محتشم للكمنجة والكونترباص والغيتار.. ودون الخروج عن الأصل أي الموسيقى الصوفية تمكنت "الحضرة " من الصمود لسنوات، ورسخت أناشيدها في مخيال أجيال متعاقبة.

لكن ماذا بقى من "حضرة" التسعينات ؟ سؤال بحثنا عن اجابة له في "الحضرة 3 " التي غاب عنها سمير العقربي وحضر فيها الفاضل الجزيري صحبة فريق من المنشدين والراقصين وآلات موسيقية عصرية الى جانب الدفّ والبندير .

ليلة الخميس 9 أوت، لم يكن ديكور ركح المسرح الأثري بقرطاج يوحي بأننا سنشاهد النسخة الأصلية من "الحضرة" التي تابعناها مرارا طيلة سنوات خلت، حيث عادة لا تكتفي "الحضرة" بخشبة الركح بل تمد أوصالها الى منطقة الكراس وهو ما تخلى عنه الجزيري في نسخته الجديدة من "الحضرة"، وبدخول عناصر الفرقة على تمام الساعة العاشرة مساء وتموقعهم بانتظام شديد في أماكنهم تبددت شكوكنا، فهي ليست ذات "الحضرة" فالي جانب البندير كان هناك آلات موسيقية غربية كالساكسوفون والأورغ  و"الغيتار الكتريك" .

جمهور غفير جدا غصت به مدارج المسرح الروماني ظل لساعتين في انتظار العرض الصوفي الأكثر شهرة منذ عقدين كاملين "الحضرة" للفاضل الجزيري في نسختها الثالثة ، لنتأكد أن للفن الصوفي والموروث الروحي مكانة راسخة لدى الشعب التونسي، سهرة قرطاجنية لم تخل أيضا من سياسيين على رأسهم رئيس الحكومة يوسف الشاهد.

البداية كانت بالفاتحة والدعاء والذكر، وهكذا وضعت "الحضرة 3" جمهور قرطاج في جو روحاني صوفي، وعلى وقع ضرب الدفوف والاهتزاز، والسناجق مختلفة الألوان، تنوعت الأناشيد المقترحة بين ماهو معروف وبين أخرى تقدّم لأول مرة لترتفع بين الفينة والأخرى الزغاريد تفاعلا مع أجواء العرض .

ويكمن التجديد في الحضرة 3 ، في مزج الفاضل الجزيري بين الموسيقى الصوفية التقليدية وموسيقى الجاز والروك، حيث أدخل آلات جديدة مثل الساكسوفون والباتري والغيثار الإلكتروني الذي عزف عليه ابنه علي الجزيري، أمر استحسنه البعض، في حين رأى آخرون أن هذا المزج أفقد الحضرة طابعها الروحاني المتميز وغيّب الكلمات على حساب الموسيقى والحال أن الموسيقى الصوفية تقوم أساسا على الكلمات والأذكار والمدائح للوصول الى حالة التماهي أو ما يعبر عنه في موروثنا الشعبي "بالتخميرة"، ومن مواطن التجديد في النسخة الثالثة من الحضرة هو غناء علي الجزيري الصوفي الممزوج بالروك .

عرض شاركت فيه عديد الأصوات غير المعروفة، وأثثه كوريغرافيا مجموعة من الشباب في تأكيد من الجزيري أن الموسيقى والرقص الصوفي رحلة مستمرة لن تنتهي بانتهاء جيل معيّن، ومن الأغاني التي قدمت مساء الخميس 9 أوت نذكر "بو سعيد الباجي"، و"رايس الأبحار"، و"سلام الله على بني مريم"، و"جارت الأشواق يا أحبابي"، و"يا بالحسن يا شاذلي" وغيرها من الأغاني المعروفة.

ختاما نشير الى أن الحضرة وما تتضمنه من موسيقى روحانية هدفها الأساسي الذي بعثت من أجله هو السمو بالروح والارتفاع  بها الى عوالم اخرى، وهو ربما ما لم نجده في الحضرة 3 ، صحيح أن البحث عن التجديد أمر محمود لكن هذا لا يعني أن نفقد الأمور رمزيتها وهويتها، ونقوم بتشويه معالمها بدافع مواكبة العصر أو ربما تحقيق أهواء الأبناء وميولاتهم الموسيقية .

سناء الماجري


الأكثر قراءة

حصري-حادثة العثور على جثة آدمية مقسومة إلى نصفين بحمام الأنف: العائلة تكشف المستور، وهذه آخر لحظات الضحية
خاص ـ بعد التفويت في شركة كاكتوس لقناة التاسعة: برامج تختفي وهذا المنشط يقدّم "عندي ما نقلك"
شاهدة عيان تروي ما حدث في "مترو الرعب" ليلة أمس بمحطة الحدائق بالعاصمة، فتاة مخمورة تنزع ملابسها أمام الركاب وتصرخ "راني مخنوقة"
أشهر اسماء المرأة الامازيغية ومعانيها
تفاصيل العثور على جثة آدمية مقسومة إلى نصفين على مستوى محطة القطار بحمام الأنف
حصري: القضاء يفكّ لغز الجثّة المقطوعة التي عُثر عليها ملقاة على السكّة بحمّام الأنف...
ماهي الدول التي يمكن للتونسيين دخولها بدون تأشيرة ؟
ملخص تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة
Record absolu: 14 étudiants tunisiens admis à Centrale Paris, l'une des plus prestigieuses écoles de France
كل التفاصيل عن مواعيد صرف بقية أقساط منحة المتقاعدين

رياضة

آخر أخبار الرياضة

فايس بوك