ثقافة ورشات الجنوب–جنوب في أبيدجان بمشاركة 14 مشروعا من تونس وكوت ديفوار وبنين وجزر القمر: أسبوع من الإبداع والتبادل
من 12 إلى 17 أكتوبر 2026، احتضنت أبيدجان الإقامة الأولى للفوج الثاني من «ورشات الجنوب–الجنوب: هنا وهناك». انطلقت فيها أربعة عشر مشروعا لشباب مبدعين من تونس وكوت ديفوار وبنين وجزر القمر في مسار حضانة يمتد تسعة أشهر، تخلّلته ورشات تصميم، ومرافقة فردية، ولقاءات مؤسساتية، من بينها زيارة وزيرة الثقافة والفرنكوفونية الإيفوارية واستقبال في سفارة سويسرا.
كيف تنتقل فكرة من حدس عابر إلى مشروع إبداعي متماسك؟ وكيف يُنجَز عمل رقمي دون أن ينفصل عن تاريخ أو أرض أو تجربة ثقافية فريدة؟ هذه الأسئلة طبعت الإقامة الأولى للفوج الثاني من «ورشات الجنوب–الجنوب: هنا وهناك»، التي نُظّمت في أبيدجان من 12 إلى 17 أكتوبر.
على امتداد ستة أيام، اشتغل أربعة عشر صاحب مشروع، قدموا من تونس وكوت ديفوار وبنين وجزر القمر، على صياغة مقترحاتهم وتطويرها. وتتنوع المشاريع بين ألعاب الفيديو والمنصات الرقمية والتجارب الغامرة والأعمال السمعية البصرية وغيرها من الصيغ الرقمية، وهي تستكشف طرقا مختلفة لنقل الحكايات، وصون التراث، وابتكار أشكال جديدة للإبداع.
تفتتح هذه الإقامة مسارا من تسعة أشهر مخصصا لمرافقة المواهب الشابة في الصناعات الثقافية والإبداعية. وهي المحطة الأولى في برنامج سيتواصل في كوتونو وتونس، بهدف مواكبة المشاركين نحو تطوير النماذج الأولية وترسيخ مشاريعهم.
أسبوع لهيكلة الأفكار واختبار المشاريع
صُمّم برنامج الإقامة على هيئة مسار متدرّج، يبدأ باستكشاف الأفكار وينتهي بأولى تجسيداتها الملموسة. وبعد التعرّف على مشهد الصناعات الثقافية والإبداعية، ومدخلٍ إلى «التفكير التصميمي»، اشتغل المشاركون على توليد الأفكار والسرد القصصي وصياغة القيمة المقترحة لمشاريعهم.
ثم تركّزت المرافقة على هيكلة المقترحات: توضيح الأهداف، وتحديد الجمهور المستهدف، والتفكير في النماذج الاقتصادية، وإعداد بطاقات المشاريع. وأتاحت جلسات الإرشاد الفردي تناول احتياجات كل مبادرة على حدة، فيما فتحت ورشات النمذجة الأولية فضاءً للتجريب يتّسع لتنوّع الصيغ المشاركة.
وأولت الإقامة كذلك أهمية خاصة للعمل الجماعي. ففي «مختبر المشاريع المتقاطعة»، دُعي المشاركون إلى مساءلة مقترحاتهم بعضهم لبعض، وتقديم نقد بنّاء، وتقاسم المعارف. وهذا البعد التشاركي جوهري في برنامج يجعل من التقاء التجارب الثقافية والمهنية المختلفة رافعةً للتنمية.
وأشرف على هذا العمل خمسة مرشدين هم: سهير مكور، وأسماء سعيّد، وطارق لموشي، وفارس الخياري، وأميرة بن سعد، فجمعوا في مرافقتهم بين الأبعاد الفنية والتقنية والريادية للمشاريع.
وتتمثل رهانات هذه المرحلة الأولى في تزويد المشاركين بأدوات تساعدهم على تحديد مقاصدهم بدقة، وتقييم جدوى مقترحاتهم، واستشراف الخطوات المقبلة في تطويرها. وقد أتاح العرض النهائي للمشاريع، المنظَّم يوم 17 أكتوبر، بلورة صيغة أولى للعروض التقديمية ، وبدء رسم خارطة الطريق لما تبقّى من مسار الحضانة.
لقاءات مؤسساتية تضع البرنامج في محيطه
تخلّلت الإقامة لقاءات مؤسساتية مهمة. وكانت زيارة السيدة فرانسواز ريمارك، وزيرة الثقافة والفرنكوفونية في كوت ديفوار، لحظةً بارزة في هذا الأسبوع، إذ أبرزت المكانة التي تحظى بها مبادرات التعاون الثقافي وتنمية الصناعات الإبداعية.
كما استُقبل المشاركون من قِبل السيدة ديبورا أتولّيني، نائبة سفير سويسرا في كوت ديفوار. ويندرج هذا اللقاء في سياق الدعم الذي يحظى به البرنامج من التعاون السويسري، إلى جانب شركاء مؤسساتيين آخرين يواكبون انتشاره.
وتمنح هذه اللحظات من التبادل الإقامة بعدا يتجاوز الإطار التكويني، إذ تضع عمل الشباب المبدعين في محيط أوسع، يتوقف فيه تطوير المشاريع الثقافية أيضا على القدرة على نسج العلاقات مع المؤسسات والشركاء والشبكات المهنية.
تعاون جنوبي–جنوبي يُبنى على المدى الطويل
يقوم برنامج «ورشات الجنوب–جنوب: هنا وهناك» بقيادة جمعية الملتيميديا والسمعي البصري، وبشراكة مع «أفريكادوك» (Africadoc) في كوت ديفوار و«الوكالة الوطنية لتنمية الفنون والثقافة» (ADAC) في بنين، ويراهن على تبادل الكفاءات وربط الشباب العاملين في الصناعات الثقافية والإبداعية بشبكات مشتركة.
وبعد فوج أول ضمّ أصحاب مشاريع من تونس والمغرب والسنغال، تُوسّع هذه الدورة الثانية دائرة التعاون لتشمل كوت ديفوار وبنين وجزر القمر، مع الحفاظ على المشاركة التونسية. ويفتح هذا التحوّل الجغرافي آفاقًا جديدة للحوار بين سياقات ثقافية وممارسات إبداعية وتجارب ريادية متباينة.
ولا يتوقف المسار عند أبيدجان؛ فالإقامتان المقبلتان، المبرمجتان في كوتونو وتونس، ستتيحان مواصلة المرافقة، وتعميق العمل المنجَز، والدفع بالمشاريع نحو مرحلة النمذجة الأولية. وستكون هذه المراحل حاسمة في تدقيق استعمالات المشاريع وجمهورها ونماذج تطويرها وآفاق انتشارها.
وفي ختام هذه الإقامة الأولى، بات لدى المشاريع إطار عمل أولي وخارطة طريق للمرحلة المقبلة. ويبقى الآن تحويل مكتسبات هذا الأسبوع إلى إنجازات مستدامة، قادرة على أن تجد موقعها في منظومات ثقافية ورقمية متحوّلة.
ومن خلال هذا الفوج الجديد، تواصل «ورشات الجنوب–الجنوب» السعي إلى طموحها البعيد المدى: مواكبة بروز مشاريع إبداعية إفريقية، مع تعزيز العلاقات المهنية وأشكال التعاون التي تمنحها وسائل النمو إلى ما وراء الحدود.