ثقافة رشا رزق والمايسترو شادي القرفي يوقظان حنين الأجيال في عيد الموسيقى العالمي
في ليلة التقى فيها شجن الذاكرة بوقار الموسيقى الكلاسيكية، واحتفاء بعيد الموسيقى العالمي، نظّم مسرح أوبرا تونس، تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، سهرة فنية استثنائية، صاغت فصولها الفنانة السورية رشا رزق، بمصاحبة الأوركسترا السمفوني التونسي بقيادة المايسترو شادي القرفي، وبمرافقة أصوات كورال أوبرا تونس.
جمهور غفير جدا غصّت به قاعة الأوبرا بمدينة الثقافة "الشاذلي القليبي"، جاء ليستمتع بالصوت الأوبرالي لابنة دمشق رشا رزق.
استهلت السهرة باعتلاء الأوركسترا السمفوني والكورال الركح، قبل أن تطلّ "صوت الذاكرة" رشا رزق، بكاريزما آسرة وفستان أنيق يفيض بالبساطة، لتفتتح حفلها الأول بتونس برائحة التراث الساحر، وتحديدا برائعة الموسيقار فريد الأطرش "يا نجوم الليل"، بإعادة صياغة وتوزيع أوركسترالي حمل توقيع محمد القرفي. ثم بلغت السهرة ذروة "السلطنة" والتجلي وهي تشدو بأغنية "يا طيور" للملحن محمد القصبجي، والتي ارتدت حلة أوركسترالية متجددة بتوقيع نوري الرحباني.
توالت بعد ذلك روائع الطرب الأصيل التي أعيد صهرها في قوالب سمفونية حديثة تولى المايسترو شادي القرفي توزيعها وقيادتها، فتنقل صوت رشا بسلاسة بين تلوينات الماضي، مستحضرا صرخة سيد درويش الخالدة "أهو دا اللي صار"، قبل أن تكرم الموروث التونسي من خلال أغنية"يا زهر الليمون" من ألحان الموسيقار محمد التريكي.
ولم يتوقف قطار الحنين الطربي عند هذا الحد، بل واصل رحلته مع الشجن الرومانسي لفريد الأطرش في "يا زهرة في خيالي"، لتستحضر بعدها أغنية "أنا قلبي دليلي" لمحمد القصبجي توزيع أوركسترالي شادي القرفي .


وقبل الانتقال إلى الضفة الأخرى من الشغف، انسحبت رشا رزق مؤقتا لتترك الركح للمايسترو وفرقته الأوركسترالية، الذين أخذوا الجمهور في جولة موسيقية بحتة راوحت بين الأصالة الشرقية والموسيقى الحديثة من خلال "سماعي حسان سكاف"، في استعراض ممتع للمقامات الشرقية بروح كلاسيكية غنية.
ومع عودة رشا إلى المسرح، سافرت بالجمهور نحو آفاق تعبيرية مغايرة من خلال أغنيتي "يمكن لو" و"مرايتي" للمؤلف الموسيقي خالد مزنر، وبتوزيع أوركسترالي لافت وقّعه هارون القروي.
أما الفصل الثاني من السهرة، فكان عنوانه الأبرز نوستالجيا الطفولة وأناشيد الجيل الذهبي، حيث تحول المسرح إلى آلة زمن حقيقية أعادت الحاضرين إلى سنوات البراءة، حيث خصصت الفنانة رشا رزق هذا الجزء لأغاني شارات الرسوم المتحركة التي حفرت صوتها في وجدان جيل كامل، فشهد المسرح حالة من التفاعل الجماهيري العارم، وتحول الجمهور إلى كورال ردد كلمات أغنيات "أنستازيا"، و"ريمي"، و"أبطال الديجيتال"، و"عهد الأصدقاء"، و"القناص" عن ظهر قلب، مطالبا بإعادتها مرارًا وسط أجواء مفعمة بالتأثر والبهجة.
ولم تنس "سفيرة الطفولة" أن تصافح وجدان جيل الثمانينات، فصدحت حنجرتها بشارتي "غرندايزر" و"ساسوكي"، بتوزيع أوركسترالي متجدد ومبهر للمايسترو شادي القرفي، أضفى على حماسة الطفولة عمقا سمفونيا.
في هذا اللقاء الأول من نوعه في تونس، التقت القيمة الفنية العالية للفنانة رشا رزق، التي شكل صوتها الدافئ ثقافة أجيال، مع احترافية الأوركسترا السمفوني التونسي، لتختتم السهرة كقصيدة موسيقية حية، نجحت في صهر الإرث الموسيقي المشترك في قوالب سمفونية.
سناء الماجري