الصفحة الرئيسية  متفرّقات

متفرّقات «كواليس ما جرى في شتاء 92».. فرج فودة رائد التنوير الذي قتلته كلمات شيوخ الإسلاميين قبل سلاح أتباعهم

نشر في  13 ماي 2020  (10:55)

“الفضل للدولة المدنية أنها سمحت لكم أن تناظرونا هنا، ثم تخرجون ورؤوسكم فوق أعناقكم؛ لكن دولاً دينية قطعت أعناق من يعارضونها”، بهذه الكلمات خاطب المفكر فرج فودة مناظريه في حضور حوالي 30 ألف شخص على هامش معرض الكتاب، وكأنه يتنبأ بمصيره على يد أتباع الدولة الدينية بعد شهور وقبل حتى أن يصلوا إلى حكم البلاد.

تصريحات الممثل أحمد الرافعي مؤخرًا عن المفكر فرج فودة، أعادت الحديث عن ملابسات مقتل فودة على يد متطرفين بسبب آرائه، ليكشف عن أن أفكار الإهابيين مازالت متغلغلة في أوساط كثيرة وبين قطاعات كبيرة وأن معركتهم مع رجل هزمهم بأفكاره، فحرضوا عليه وبرروا قتله بعدها لا يزال جزء من سردياتهم.

كان فرج فودة من رواد التنوير في مصر، وألف عددا من الكتب دعت لفصل الدين عن الدولة، منها “قبل السقوط” (1984)، و”الحقيقة الغائبة” (1984)، و”الملعوب” (1985)، و”الطائفية إلى أين؟” (1985) بالاشتراك مع يونان لبيب رزق  وخليل عبد الكريم، و”حوار حول العلمانية” (1987)، كما نشر العديد من المقالات في صحف الأهالي والأحرار وغيرهما.

كيف هزمهم.. فقتلوه؟

في المناظرة الشهيرة التي أعدتها هيئة الكتاب في شتاء 1992، وحملت عنوان: (مصر بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية)، تحدث فرج فودة بثبات ووضوح عن فكرته، بينما تصاعدت هتافات ملتهبة: “الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا”.

حاول الدكتور سمير سرحان، مدير المناظرة دعوة أنصار الإسلاميين إلى الهدوء لكنه فشل، فيما كان يجلس على المنصة الشيخ الغزالي والدكتور محمد عمارة ومرشد الإخوان مأمون الهضيبي، وقد انتشوا بالهتافات المدوية.

جلس فودة المولود في 20 أغسطس 1945 ببلدة الزرقا بمحافظة دمياط، وإلى جواره الدكتور محمد أحمد خلف الله، أحد أعضاء حزب التجمع، يحاولان الدفاع عن أفكارهما ويسوقان الأدلة فيما لم يتخلى فريق الاسلاميين عن لغة الاستعلاء وامتلاك الحقيقة، بينما تتعالى هتافات الأتباع تنطلق من وقت لآخر لترهب خصومهم، لكن ما أزعجهم أن نتيجة المناظرة كانت خسارة كبيرة لهم.

في المناظرة تحدث فودة عن بعض الجماعات المحسوبة على الاتجاه المؤيد للدولة الدينية، وما صدر عنها من أعمال عنف وسفك للدماء، مستشهداً بتجارب لدول دينية مجاورة على رأسها إيران قائلًا: “إذا كانت هذه هي البدايات، فبئس الخواتيم”.

وتابع فودة: “لا أحد يختلف على الإسلام الدين، ولكن المناظرة اليوم حول الدولة الدينية، وبين الإسلام الدين والإسلام الدولة، رؤية واجتهاداً وفقهاً، الإسلام الدين في أعلى عليين، أما الدولة فهي كيان سياسي وكيان اقتصادي واجتماعي يلزمه برنامج تفصيلي يحدد أسلوب الحكم”.

 لم يكن فرج فودة يدري أن رصاص الإهابيين سيقتله بعد شهور قليلة من المناظرة وتحديًدا في 8 يونيو 1992 بتكليف مباشر من صفوت عبدالغني بعد شهور من الشحن والتهييج ضده.

التحريض ضده.. كلهم اجتمعوا عليه

وصلت حملة التحريض ضده ذروتها قبل أيام من مقتله، حيث أصدرت جبهة علماء الأزهر برئاسة عبدالغفار عزيز، ونائبه محمود مزروعة، بيانًا يُكفر فرج فودة، ونشرته جريدة النور، وقال وجدي غنيم: “قتله هو الحل”.

لعب الغزالي دورًا تحريضًا في مقتل فودة، ونشر بياناً مسانداً لبيان تكفير فودة ووقّع عليه الشيخ محمد متولي الشعراوي وغيره من المشايخ المعروفين.

قبل عملية الاغتيال بعشرة أيام، قال الغزالي في ندوة بنادي هيئة التدريس بجامعة القاهرة عن فرج فودة، وعن فؤاد زكريا: “يرددون كلام أعداء الإسلام في الخارج، ربنا يهديهم، وإن ماهداهمش، ربنا ياخدهم”.

في الموعد المحدد انتظر شابان من الجماعة الإسلامية على دراجة بخارية أمام جمعية التنوير المصري التي كان يرأسها فودة، بشارع أسماء فهمي بمصر الجديدة، وفي المساء وعند خروج فودة من الجمعية بصحبة ابنه أحمد وصديق، أطلقا عليه الرصاص.

دقائق معدودة كانت كفيلة بإلقاء أمين شرطة والسائق الخاص بالدكتور فرج فودة القبص على المتهم الأول، ولاذ زميله بالهرب، لكن تم ضبطه في أبريل 1993، بتهمة محاولة اغتيال وزير الإعلام صفوت الشريف.

حملت سيارة الإسعاف فودة إلى المستشفى، وكان آخر ما قاله وهو يحتضر: “يعلم الله أنني ما فعلت شيئا إلا من أجل وطني”.

في نفس اليوم نشرت الجماعة الإسلامية بياناً أعلنت فيه مسؤوليتها عن اغتياله، ورحبت جماعة الإخوان في اليوم التالي باغتيال فرج فودة.

مفاجأة التحقيقات.. القاتل لا يقرأ ولا يكتب

في التحقيقات قال عبد الشافي رمضان، أحد قتلته، أنه قتل فرج فودة بسبب فتوى الدكتور عمر عبد الرحمن مفتي الجماعة الإسلامية بقتل المرتد في عام 1986. فلما سئل من أي كتبه عرف أنه مرتد، أجاب بأنه لا يقرأ ولا يكتب، ولما سئل لماذا اختار موعد الاغتيال قبيل عيد الأضحى، أجاب: لنحرق قلب أهله عليه أكثر.

ومع استمرار التحقيقات، اعترف عبد الشافي رمضان بأنه تلقى تكليفا من صفوت عبد الغني، القيادي بالجماعة الإسلامية والمحبوس في السجن في قضية اغتيال الدكتور رفعت المحجوب منذ 1990، وذلك عن طريق محاميه منصور أحمد منصور. وبأنه حصل على الرشاش الآلي من محمد أبو العلا، وتلقى تدريبات رياضية عنيفة على يد محمد إبراهيم، وحصل مع شريكه الهارب أشرف إبراهيم على الدراجة البخارية من جلال عزازي، وبأنهما اختبآ عند وليد سعيد وحسن علي محمود وأشرف عبد الرحيم حتى وقت العملية، بينما قام محمد عبد الرحمن وعلي حسن برصد تحركات فودة لاختيار أفضل مكان مناسب لتنفيذ عملية الاغتيال. وألقت الشرطة القبض على كافة المتهمين وقدمتهم إلى محكمة أمن الدولة طوارئ.

شهادات الإسلاميين

في شهادته أمام المحكمة، قال الشيخ محمد الغزالي، “إنهم قتلوا شخصاً مباح الدم، وهو مستحق للقتل، ففرج فودة بما قاله وفعله كان في حكم المرتد، والمرتد مهدور الدم، وولي الأمر هو المسؤول عن تطبيق الحد، وأن التهمة التي ينبغي أن يحاسب عليها الشباب الواقفون في القفص ليست هي القتل، وإنما هي الافتئات على السلطة في تطبيق الحد”.

وتابع الغزالي “إن بقاء المرتد في المجتمع يكون بمثابة جرثومة تنفث سمومها بحض الناس على ترك الإسلام، فيجب على الحاكم أن يقتله، وإن لم يفعل يكون ذلك من واجب آحاد الناس”.

*

“فرج فودة مرتد بإجماع المسلمين، ولا يحتاج الأمر إلى هيئة تحكم بارتداده، وهو مستوجب القتل” هكذا تحدث محمود مزروعة نائب رئيس جبهة علماء الأزهر في شهادته بالقضية التي شغلت الرأي العام، وقال إنه التقى شباب يدعون انتماءهم لإحدى الجماعات الإسلامية فسألوه: “ما حكم المرتد” فأجاب: “قتله”، ثم سألوه: “وإذا لم يقتله الحاكم؟” فأجاب قاطعاً: “يكون حكم قتله في رقاب عامة المسلمين”.

وأكد المتهمون أن شهادة الشيخ الغزالي والدكتور مزروعة تكفيهم ولو وصل الأمر لإعدامهم بعد ذلك.

قضت المحكمة بإعدام المتهمين الأول والثاني، والحكم بالسجن المؤبد على المتهم الثالث، الذي أفرج عنه الرئيس المعزول محمد مرسي في 2012، ليموت مقتولاً في سوريا في مارس 2017.

أفكار الراحل

يرى فودة أن إنكار العلمانية جهل بالحضارة الحديثة، وإطلاق صفة الكفر عليها جهل بالعلمانية، والدعوة لدولة دينية جهل بحقوق الإنسان، والمناداة بالخلافة جهل بالتاريخ.

“لا أبالي إن كنت في جانب، والجميع في جانب آخر، ولا أحزن إن ارتفعت أصواتهم أو لمعت سيوفهم. ولا أجزع إن خذلني من يؤمن بما أقول. ولا أفزع إن هاجمني من يفزع لما أقول. وإنما يؤرقني أشد الأرق، ألا تصل هذه الرسالة إلى من قصدت. فأنا أخاطب أصحاب الرأي لا أرباب المصالح. وأنصار المبدأ لا محترفي المزايدة. وقصاد الحق لا طالبي السلطان. وأنصار الحكمة لا محبي الحكم”.

 هكذا لخص الراحل مبدأه في الحياة، لتبقى كلماته وأفكاره باقيه وإن رحل الجسد برصاص الإرهاب والجهل والتحريض، لكن معركته مع التطرف ظلت باقية وممتدة ليظهر بين حين وآخر من يحاول تصفية الحساب مع الرجل الذي هزم مشايخهم في أغلب مواجهتهم، فما كان منهم إلا أن مهدوا لقتله ثم بروه بعدها.

المصدر: درب