الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية الدكتور أحمد المناعي يقدّم شهادته حول قيس سعيد محذّرا من صعوده، ويتحدث عن تاريخية ترشح نبيل القروي وما طلبه منه بن علي لمرتين

نشر في  03 أكتوبر 2019  (09:55)

في حوار خاص أدلى به لموقع أخبار الجمهورية تحدث رئيس المعهد التونسي للعلاقات الدولية الدكتور أحمد المناعي، تحدّث "صريحا وجريئا" كعادته عن عديد المسائل الهامة الحقائق الخفية المتعلّقة بحركة النهضة وزعيمها راشد الغنوشي كاشفا موقفه من نتائج الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها في دورها الأول وأسباب عدم صعود عبد الفتاح المورو وما حدث من توجيهات في الساعات الأخيرة من يوم الاقتراع..

 محدّثنا اعتبر في هذه المصافحة أنّ صعود المترشّح قيس سعيد مدعاة للخوف على مستقبل تونس كدولة وعلى كامل المنظومة الإقليمية..

 فماذا قال الدكتور أحمد المناعي عن قيس سعيد وعبد الفتاح مورو ونبيل القروي ويوسف الشاهد وعن الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة والرئيس الأسبق الراحل زين العابدين بن علي، ماذا قال عن المحاولة الانقلابية الفاشلة لحركة النهضة وملف الجهاز السري...؟ الأجوبة عن هذه الأسئلة وغيرها من المواضيع تجدونها في هذا الحوار...

 في البداية، ما هو تقييمكم لنتائج الدور الأول للانتخابات الرئاسية والذي أفرز صعود كل من المترشحين قيس سعيد ونبيل القروي؟

 منذ أشهر واستطلاعات الرأي تنبئنا بذلك ولم يشك أو يشكك في تلك النتائج إلا الجاهلون بصدقية ودقة علم أثبت جدارته بالمكانة التي يحتلها في مجتمعات متقدمة. لنتذكر ما كان يشاع من أن لكل استطلاع ثمن.

 غير أني أعتقد أن المترشح عبد الكريم الزبيدي كان سيحصل على نتائج أفضل لو لم يتأخر في الإعلان عن ترشحه وأن عبد الفتاح مورو كان يمكن له أن يأتي في المرتبة الثانية لو ساندته النهضة للنهاية.  

 بماذا تفسّرون الخيبة التي أصابت حركة النهضة بعد  تآكل مخزونها الانتخابي بفقدانها قرابة مليون و 100 ألف صوت وهو ما يعني فقدانها 70 بالمائة من قواعدها الانتخابية؟

 أذكّر بداية أن أكثر من نصف المسجلين أمسكوا عن التصويت وهذه نسبة كبيرة في انتخابات رئاسية وخاصة في الدور الأول. وبالنسبة لأصوات المرشح عبد الفتاح مورو أعتقد أنها لا تمثل كلها أصوات النهضاويين ففي الساعات الأخيرة من يوم الاقتراع جاءت التوجيهات للتصويت لفائدة قيس سعيد.

- إذن كيف تمكن عبد الفتاح مورو من حصد المرتبة الثالثة؟

عبد الفتاح مورو جمع كثيرا من الأصوات من ناخبين مستقلين لا علاقة لهم بالنهضة فهو شخصية محببة لدى كثير من الشرائح الاجتماعية وأعتقد أنه كان سيحصل على نسبة أفضل لو اجتمعت له كل أصوات النهضة ونظمت له الحملة الانتخابية التي يستحقها. وعلى العكس لو ترشح راشد الغنوشي عوضا عنه لما تحصل على كل هذه الأصوات لأن كثيرا من ناخبي النهضة لن يصوتوا له.

ومع هذا صحيح ما جاء في سؤالك من تراجع كبير للمخزون الانتخابي للنهضة. الحقيقة أن انتخابات 2011 لا يمكن أن تتخذ مرجعا فقد تمت في ظروف استثنائية وفي غياب منافس سياسي صلب ومنظم قادر على استقطاب المخزون الانتخابي للتجمع الدستوري الديمقراطي المنحل. يومها انقسم التجمعيون بين التصويت للحزب الأكبر والمهيمن أي النهضة والإمساك عن التصويت أو التصويت لقائمات مستقلة.

 هل تعتبرون أنّ "زلزالالانتخابات سيعصف بحركة النهضة وسيمثّل بداية سقوط الإسلام السياسي في تونس؟

 بعد انتخابات 2011 صرحت لأحد زملائك أن ناخبي النهضة هم الأقدر على قلب الطاولة عليها لأن من ينتخب حزبا ينتظر منه أن ينجز وعوده في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحسين ظروف العيش وووو، وهو ما عجزت عنه النهضة لأنها لم تكن في يوم من الأيام حزب حكم ولا  كانت لها ثقافة الدولة بل على العكس تماما فقد ظلت لحوالي ثلاثين سنة تسعى لهدم الدولة. أعجبني ما سمعته أخيرا من مرشحة في التشريعية عن هذا الحزب قولها ما معناه- يا إخوتي لم ننجز لكم شيئا يذكر في السنوات السابقة لأننا لم نكن نعرف الدولة والآن تعلمنا وعرفنا ما معنى الدولة وسوف...

 - و ماذا عن تأثّر الإسلام السياسي؟

 الزلزال الانتخابي تعبير عن فشل توافق حكومي في إدارة الشأن العام يشترك فيه الشاهد والنهضة وهو في جزء منه لطخة للإسلام السياسي الممثل في النهضة وليس بداية سقوط الإسلام السياسي في تونس ودليل ذلك ما لمسناه من صعود شخصيات وتيارات إسلامية أكثر راديكالية من نهضة اليوم. لا ننسى أن ظاهرة الإسلام السياسي هي ظاهرة عالمية وأن تناميها أو تراجعها رهين أيضا بالتوازنات الدولية ومشاريع الدول الكبرى في توظيفها أو الاستغناء عنها.

 تراجع الإسلام السياسي لا يمكن أن يتم إلا ببطئ وعن طريق العلم والمعرفة والوعي الاجتماعي والديني وإدراك المسلم بأن تسييس الدين وتوظيفه لخدمة مصالح شخصية وفئوية ودولية يسيء للدين ولعل أحسن مثال على ما أقول هو تزايد أعداد الملحدين في تونس وفي غيرها من البلدان. 

 ما هو تحليلكم للانقسامات الحالية للنهضة خاصة بعد رسالة زبير الشهودي وتصريحات محمد بن سالم؟

 تاريخيا أول من خرج عن النهضة هو راشد الغنوشي فقد كان سفره إلى الجزائر في 18 ماي 1989 احتجاجا على رفض الصادق شورو التنازل له عن الرئاسة التي تولاها في مؤتمر 1988 والذي غاب عنه الغنوشي السجين. وهو إذن يعتبر تمردا على قرار المؤتمر ومؤسسات الحركة.

 وفي سنة 1991 وعلى اثر جريمة باب سويقة استقال أو جمد عضويته كل من عبد الفتاح مورو والفاضل البلدي وبن عيسى الدمني وعبد القادر الجديدي.. وكلهم من المؤسسين يعني الذين أسسوا لمؤتمر 1979.

 - وماذا بعد؟

  بعد سنة 1992 وتولي راشد الغنوشي الرئاسة في المهجر وهي مخالفة كبيرة للقانون الأساسي للحركة وبتزكية من حوالي 10 أفراد من النهضة تعددت الانقسامات وخرج من النهضة عدد من القيادات في أوروبا ولكنها انسحابات صامتة باستثناء استقالة لزهر عبعاب التي أعلنها في صحيفة الحياة اللندنية كما طُرد آخرون مثل المرحوم صالح كركر وهو عضو مؤسس ورئيس سابق للحركة وخميس الماجري.

  وفي سنة 2005 أعلن أكثر من ثمانين عضو نهضاوي رفضهم لسياسة قيادتهم في التعامل مع ملف المساجين ووقّعوا على عريضة تدعو الرئيس بن علي إطلاق سراحهم لأسباب إنسانية بناء على صيحة استغاثة من حمادي الجبالي "أخرجونا من هذا القبر"..

 وماذا عن السنوات الأخيرة؟

 في السنوات الأخيرة حدثت كثير من الاستقالات لشخصيات هامة مثل رياض الشعيبي الذي كوّن حزبا وحمادي الجبالي وحاتم بولبيار وغيرهم.

 وإذ أذكر كل هذا فلأني أعتقد أنه لو استقال نصف أعضاء مجلس شورى النهضة فان الأمر لا يغير شيئا كبيرا لأن النهضة هي-وخزينتها- ملك شخصي لراشد الغنوشي وهو ما صرح به لجمع من أتباعه جاؤوه مطالبين بأصلاحات نهاية عقد الألفين. 

 وعلى ذكر الشخصين لا أعرف زبير الشهودي ولكني أعرف محمد بن سالم جيدا فقد كان من بين الأشخاص الذين أعادوا الرئاسة لراشد سنة 1992 ومن الفئة القليلة التي أخلصت له عندما انفضت الأغلبية من حوله في أواخر سنة 2000.

 ماهو تقييمكم لما آل إليه ملف الجهاز السري؟

  أتابعه عن بعد وأعتقد أنه بين أيدي محامين أكفاء وشجعان ولا أحسب أنهم سيستسلمون قبل كشف الحقيقة. مثل هذه القضايا لا يمكن دفنها بسهولة. وأعطيكم مثلا آخر لما حدث في سنة 1991 .

 - ما الذي حدث في تلك السنة؟

 منذ الأيام الأولى التي خرجت فيها للمنفى في فرنسا في ماي 1991 اكتشفت أن قمع النظام لحركة النهضة لم يكن للأسباب التي كانت تدعيها وإنما لأنها خططت لمحاولة انقلابية فاشلة وقد بادرت بالاحتجاج على الغنوشي ولكني تكتمت على الأمر حتى لا أعطي النظام مبررات إضافية للتنكيل بالناس.

 وقبل مؤتمرهم لسنة 1995 طلبوا مني أن أكتب لهم تقييمي لمسيرتهم وكتبت لهم 22 صفحة أهم ما فيها ثلاثة جمل "أنه ومهما وقع فإن من واجب النهضة أن تعترف به وتحمل مسؤوليته كاملة إلي بعض قيادييها وتعلن عن طردهم نهائيا من صفوفها".

 الحقيقة لا تعني شيئا بالنسبة لهم فهم أنكروا حتى ما جاء في كتاب بن سالم عن محاولة انقلاب 8 نوفمبر 1987 التي تزعمها.

 - طرحت هذه الأيام مخاوف بشأن ضبابية أفكار المترشّح قيس سعيد والذي تحوم حوله مخاوف بشأن حقيقة علاقته ولو "فكريابالإسلام السياسي رغم نزاهته ونظافة يده، فماهو موقفكم؟

 شِخصيا التقيته لحوالي الساعة في قاعة استقبال قناة تلفزية في شهر فيفري الماضي ولم نتبادل أكثر من التحيات والسلامات. ولنبدأ بنظافة يده ونزاهته التي لا أشك فيها. ولكن هذه الأحكام الأخلاقية صالحة لمن تحمل مسؤولية إدارة بنك أو مؤسسة اقتصادية أو خدم وزيرا أو رئيسا أو .... لعقد أو عقدين وخرج من كل ذلك نظيفا عفيفا أما صاحبنا فقد كان أستاذا وتقاعد أستاذا ولم يتحمل في يوم من الأيام أدنى مسؤولية في إدارة المال والأعمال والعمال، فطبيعي أن يكون نظيف اليدين.

 سأعطيكم مثلا للرجل العفيف والنظيف فبعد كفاح طويل وممارسة رئاسة تونس لثلاثين سنة لم يترك المرحوم الحبيب بورقيبة عند وفاته غير مبلغ 1053 د وحتى صك المليون دينار التي أهداها له الملك فيصل في ستينات القرن الماضي فقد سارع لوضعه في الخزينة العامة. أذكر بأن الأمر يخص مليون دولار الملك فيصل وليس القرض الصيني.

 أما بخصوص علاقته (قيس سعيد) بالإسلام السياسي وبتيارات ماركسية فهي واضحة للجميع. 

 وكيف تفسّرون مساندة حركة النهضة ورابطات حماية الثورة لقيس سعيّد، وهل يمثّل صعوده خطرا على الدولة الحديثة؟

 مساندة رابطات حماية الثورة ومن هم على شاكلتها لقيس سعيّد شيء طبيعي أما مساندة النهضة له فهو العبث بعينه. فهذه حركة حكمت وشاركت في حكم تونس منذ 2011 ووضعت دستورا هو الأفضل في العالم كما تدعي وتقبل الآن الانخراط في مشروع يقوض البناء كله بما فيه وجودها واني أعتبر أن صعود هذا الرجل مدعاة للخوف على مستقبل تونس كدولة وعلى كامل المنظومة الإقليمية.

 أخشى أن نرجع معه إلى بداية 2011 والمخططات التي حيكت آنذاك للجزائر وفي نفس الوقت أنا مطمئن إلى أنه سيفشل منذ الأشهر الأولى.

 وماذا عن تقييمكم لظاهرة نبيل القروي وتمكنه من بلوغ الدور الثاني رغم الاتهامات الخطيرة الموجهة في حقه؟

 كلمة أولى بخصوص تاريخية ترشح نبيل القروي.

 ترشح نبيل القروي يرجع إلى منتصف عقد الألفين. يومها لم يكن القروي هو المترشح وإنما طارق بن عمار ومرشّحوه هم أوساط عائلية ولوبيات مالية دولية وقد ظل هذا الاختيار جديا وتبناه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي إلى ما قبل توليه رئاسة الحكومة الوقتية ثم استبعده بعد تجربة الحكم.

  آنذاك جاء التفكير في نبيل القروي شريك طارق بن عمار وبدأت المسيرة عبر قناتهما التلفزية وبرامجها الموجهة لفئات وأوساط اجتماعية مهمشة ومنسية من الدولة مسنودة بأعمال خيرية ومساعدات مادية.

 - وبخصوص الاتهامات الموجهة إليه ؟

 بخصوص الاتهامات الموجهة إليه لم يصدر فيها حكم نهائي فهو بريء إلى أن تثبت إدانته وأعتقد أن ناخبيه وعامة التونسيين لا يعتبرون تهمه خطيرة فالتهرب الجبائي رياضة شعبية وما يؤاخذ عليه من فساد مالي موجود بقدر كبير لدى مسؤولين هم حاليا في سدة الحكم.

 - هل كانت الهزيمة الانتخابية للمترشّح يوسف الشاهد متوقّعة؟

 تماما فقد كانت حكومته فاشلة بالكامل وأساء كثيرا لشرائح اجتماعية توسمت فيه كثيرا من الخير وشخصيا صدقته وصدقه معي العشرات في ما ادعاه من شن حرب على الفساد.

 هل حسم الدكتور احمد المناعي في من سينال صوته في الدور الثاني للرهان الانتخابي الرئاسي؟

 سأتغيب عن الوطن يوم 10 أكتوبر لأسباب صحية ولن أمارس واجبي وحقي الانتخابي.

 توفي مؤخرا الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي،  وقد كنتم من أشرس معارضيه فهل من "حديقة سرّية جديدةتنشرونها بشأن نظامه وما تعرّضتم إليه آنذاك؟

 أول ما بلغني نعي الرئيس السابق ترحمت عليه وعزيت أهله وانتظرت من السلطات التونسية وخاصة من رئيس الجمهورية بالنيابة أن يصدر بيانا في رسميا فالميت رحمه الله ليس مواطنا عاديا وإنما ثاني رئيس الجمهورية التونسية حكم البلاد لثلاث وعشرين سنة واليه يدين الكثيرون بمناصبهم.

 بالنسبة لكل العقلاء بن علي هو جزء من تاريخنا وأمره موكول للمؤرخين وشخصيا لن أذكره بشر أبدا فقد طلب مني السماح مرتين في سنة 2013 لي ولعائلتي وسامحته.

 هل تعتبرون أنّ مع وفاة بن علي ستُدفن العديد من الحقائق المتعلّقة بأحداث 14 جانفي 2011؟

 قبل أحداث 14 جانفي 2011 هناك أحداث الفترة ما بين 1987 و2010   التي احتد فيها الصراع بين الدولة وحركة النهضة والتي عرفت المحاولة الانقلابية الفاشلة لسنة 1987 ثم التي تلتها سنة 1991.

  لم نسمع إلى حد الآن إلا لرواية راشد الغنوشي. لم نقرأ كثيرا عن الأسباب الحقيقية لأزمة 1991 وعن مبادرة النهضة في المواجهة العنيفة مع النظام.

 أما بالنسبة لأحداث 14 جانفي 2011 فقد علمت من أحد الأصدقاء أن الرئيس الراحل قد ترك مذكرات ولكني لا أعرف متى وكيف وأين ستنشر ثم أن هناك نصوص كثيرة منشورة وأغلبها تعاكس التيار الثورجي السائد ويكفي شيء من الشجاعة والجرأة لكشف الحقيقة.

حاورته: منارة تليجاني